عبد الوهاب الشعراني

4

تنبيه المغترين

وكان من الباعث الأعظم لي على تأليف هذا الكتاب ما رأيته من تفتيش جماعة مولانا السلطان سليمان بن عثمان في النصف الثاني من القرن العاشر على ما اختلسه العمال وغيرهم من ماله نصرة له ، وما رأيت أحدا من علماء الشرع يفتش على ما اندرس من معالم أخلاق الشريعة المحمدية نصرة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما فعل جماعة مولانا السلطان نصره اللّه فأخذتني الغيرة الإيمانية على الشريعة وألفت هذا الكتاب كالمبين لما اندرس من معالم أخلاقها في دولة علماء الظاهر والباطن فهو نافع لكل فقيه وصوفي في هذا الزمان لا يكاد أحد منهم يستغني عن النظر فيه كما ستعرفه عند مطالعتك الكتاب إن شاء اللّه تعالى وهو كالسيف القاطع لعنق كل مدع للمشيخة في هذا الزمان بغير حق . لأنه يفلسه حتى يرى نفسه منسلخة من أخلاق القوم كما تنسلخ الحية من ثوبها . وإني أعرف بعض جماعة بلغهم أمر هذا الكتاب فتكدروا ولو أمكنهم سرقته وغسله لفعلوا خوفا أن ينظر فيه أحد ممن يعتقدهم فيتغير اعتقاده فيهم حين يراهم بمعزل عن التخلق بأخلاق القوم الذين يزعمون أنهم خلفاؤهم وكان الأولى بهم الفرح والسرور به فإنه كله نصح ولا يجد أحد منهم من ينصحه بمثله في مثل هذا الزمان . وقد ألف أخي الشيخ أبو الفضل رحمه اللّه ميزانا في نصح إخوانه وغيرهم نحو خمسة أوراق فكتبوها بماء الذهب واللازورد وفرحوا بها أشد الفرح فرضى اللّه عن الصادقين أمين . وكان تأليفي لهذا الكتاب بحسب الوقائع التي تقع مني ومن أصحابي وما من خلق ذكرته فيه إلا وهو وارد على سبب أعرفه فرحم اللّه من رأى فيه خللا فأصلحه مساعدة لي على الخبر فإنه ليس منقولا من كتب بالأصالة وإنما هو كالاستنباط من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة وجميع ما ذكرته فيه من النقول إنما هو كالاستشهاد لما ذكرت لا غير كما ستراه إن شاء اللّه تعالى . وإذا كان المؤلف أول مستنبط كما ذكرناه احتاج كلامه إلى من يتعقبه ويستدرك عليه ضرورة كما استدرك العلماء من المتأخرين على من سبقهم بخلاف من كان مؤلفه مجموعا من نقول المتأخرين فإن كلامه لا يحتاج إلى التعقيب إلا في النادر وذلك لأنه يرى تنكيت العلماء على بعضهم فيأخذ العبارة السالمة من التنكيت كما فعل شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في مؤلفاته رضي اللّه عنه . فلذلك من ألف كتابا لم يسبق إليه فقد جعل كلامه هدفا لجميع المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين والنحاة والمتكلمين والصوفية والبيانيين وغيرهم فيحتاج في