عبد الوهاب الشعراني

5

تنبيه المغترين

كل قولة إلى جدال جميع هؤلاء العلماء قبل أن يضع تلك القولة قال تعالى : [ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ] « 1 » وذلك لسر استحضار المؤلف جميع ما قيل في تلك المسألة وما يرد على منطوقها ومفهوما حال الكتابة ولو أنه قدر على ذلك ما احتاجت الكتب إلى شروح ولا احتاجت الشروح إلى حواش عليها وهذا شأني في مؤلفاتي كلها ما عدا الحديث والمختصرات من أصول فكلها مستنبطة من الكتاب والسنة ، وقد كان الإمام عمر بن الخطاب يفتي الناس ويقول هذا قول عمر فما كان صوابا فمن اللّه وإن كان خطأ فمن عمر انتهى . وكذلك كان أبو حنيفة رضي اللّه عنه يفتي ، ويقول : هذا أكثر ما قدرنا عليه في العلم فمن وجد أوضح منه فهو أولى بالصواب ، وكثيرا ما كان يقول : هذه فتوى النعمان . فإن كانت صوابا فمن اللّه وإن كانت خطأ فمن النعمان والتبعة عليه فيها في الدنيا والآخرة . وهكذا يقول مؤلف هذا الكتاب ، وأرجو من فضل اللّه أن يكون هذا الكتاب كالمبين لما اندرس من أخلاق القوم رضي اللّه عنه بعد الفترة التي حصلت بعد موت الأشياخ الذين أدركناهم في النصف الأول من القرن العاشر فقد أدركنا بحمد اللّه تعالى نحوا من مائة شيخ كان كل واحد منهم يستسقي به الغيث كسيدي على المرصفي ، وسيدي محمد الشناوي ، وسيدي محمد بن داود ، وسيدي أبي بكر الحديدي ، وسيدي عبد الحليم بن مصلح ، وسيدي أبي السعود الجارحي ، وسيدي تاج الدين الذاكر ، وسيدي محمد بن عنان ، وسيدي علي الخواص ، وغيرهم ممن ذكرناهم في كتاب طبقات العلماء والصوفية . فكل هؤلاء كانوا على قدم عظيم في الزهد والعبادة والورع وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن استعمالها في شيء مما نهاهم اللّه عنه وكان أحدهم لا يقبل شيئا من أموال الولاة ولو كان في غاية الضيق بل يطوي ويجوع حتى يجد شيئا من الحلال ، ولم يكن أحد منهم يعاني ركوب الخيل ولا الملابس الفاخرة ولا الأطعمة النفيسة ولا يتزوج المنعمات ، ولا يسكن في القاعات المرخمات إلا إن وجد ذلك من حلال في نادر من الأوقات . وكان الملوك يعرضون عليهم الرزق والجوالي والمساميح ، والمرتبات من بيت المال فيأبون ذلك ويقولون مال السلطان إنما هو معد لصرفه في المصالح وإقامة شعائر الدين وإنفاقه على الجند الذابين عن المسلمين ، ونحن ليس فينا نفع لأحد . وكان أحدهم يقنع بالكسرة اليابسة يفتها في الماء ، ويغمسها بملح ، ويكتفي بها منهم

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .