عبد الوهاب الشعراني

61

تنبيه المغترين

زيد بن أسلم يقول : لو كان الموت بيدي لأذقته نفسي وأنا محب للإسلام ولكنه ليس بيدي ، وبكى سفيان الثوري مرة حتى غشى عليه ، فقيل له علام تبكي ؟ فقال : بكينا على الذنوب زمانا ونحن الآن نبكي على الإسلام أي خوفا أن يذهب منا ، وكان يقول : ربما يعبد الرجل الأوثان وهو في علم اللّه سعيد ، وربما يطيع وهو في علم اللّه شقي لحديث [ إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ] الحديث ، وهذا هو الذي أذهل العقول ، وفي الحديث [ أصدق المؤمنين إيمانا أكثرهم تفكرا في الدنيا ، وأشد الناس فرحا في الجنة أكثرهم بكاء في الدنيا ] . وكان يحيى بن معاذ يقول : التفكر والاعتبار يخرجان من قلب المؤمن عجائب الحكمة فتسمع منه أقوالا لا ترضاها الحكماء وتخضع لها رقاب العلماء وتعجب منه الفقهاء ويسارع إلى حفظها الأدباء ، وكان سفيان الثوري يقول : خوف المؤمن وحزنه على قدر نور بصيرته . وكان وجه محمد بن واسع كأنه وجه ثكلاء فقدت ولدها ، وكان لا يراه أحد إلا زالت من قلبه القسوة . وكان يقول لا تصحب من الناس إلا من يفضلك برؤيته قبل كلامه ، وكان وهيب بن الورد يقول أوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام اغسل قلبك ، فقال : يا رب الماء لا يصل إليه فكيف أغسله ؟ فقال : اغسله بطول الهم والغم والحزن على ما فاتك مني وما يفوت ، وكان إبراهيم بن أدهم يقول : إن الأسقام التي تصيب القلب أصلها من الذنوب ، كما أن الأسقام في البدن تنشأ من الأمراض وقد جعل اللّه تعالى لكل داء دواء ، فإذا اشتد حزن الرجل رجعت دموع عينيه إلى قلبه فأنحلت بدنه ، وقيل لإبراهيم ألا تخضب شيب لحيتك ؟ فقال : الخضاب معدود من الزينة ونحن في مأتم وحزن ليلا ونهارا ، وقالوا لبشر بن الحرث : ما لنا لم نزل نراك مهموما فقال : لأني رجل مطلوب من الحاكم بالحقوق ، وكان يقول كل حزن سوف ينقضي إلا حزن الذنوب فإنه يتجدد مع الأنفاس . وكان حاتم الأصم يقول في قوله تعالى : [ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا ] « 1 » ، إنما يقال ذلك لمن طال خوفه وحزنه في الدنيا ، وأما من أذنب وبطر ولم يندم فلا يقال له شيء من ذلك ، وكان معاذ بن جبل يقول : لا ينبغي لعبد أن يظهر الفرح حتى يجاوز جسر جهنم - يعني الصراط - .

--> ( 1 ) سورة فصلت : الآية 30 .