عبد الوهاب الشعراني

62

تنبيه المغترين

وكان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يبكي ويقول : تستريح البهائم والطيور والحيتان وأنا مرتهن بعملي ، وكان صالح بن عبد الجليل رضي اللّه عنه يجمع عياله وأهله في كل يوم عيد ويجلسون فيبكون فقيل له ذلك ، فقال : إني عبد أمرني اللّه تعالى بطاعته ونهاني عن معصيته فلا أدري هل وفيت بهما أم لا ، وإنما يليق الفرح والسرور يوم العيد لمن كان آمنا من عذاب اللّه ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : [ ما أتاني جبريل عليه السلام إلا وهو خائف يرعد من هيبة اللّه تعالى ] . وكان وهب بن منبه يقول : إنما اتخذ اللّه إبراهيم خليلا لكونه كان شديد الخوف منه ، وكانوا يسمعون خفقان قلبه من مسير ميل ، وكان موسى بن مسعود يقول : كنا إذا جلسنا عند سفيان الثوري فكأنما نار أحاطت بنا لما نرى عليه من شدة الخوف والجزع ، وكان الفضيل بن عياض يقول : إن للّه عبادا إذا ذكروا عظمة اللّه تقطعت قلوبهم في بطونهم ثم تندمل ثم تنقطع ثم تندمل ثم تنقطع ثم تندمل أبدا ما عاشوا ، وكان يقول : خوف العبد من اللّه على قدر معرفته به . وكان إبراهيم بن الحرث لا يرفع طرفه إلى السماء أبدا خوفا وحياء من اللّه تعالى من حيث أن السماء قبلة الدعاء ، وقالوا : وكان الخوف كثيرا ما يغلب على سفيان الثوري ومالك بن دينار والفضيل بن عياض فيخرجون على وجوههم لا يدرون أين يذهبون ، وكان عمران بن حصين يقول : واللّه إني لأود أن أصير رمادا تنسفني الريح في يوم عاصف ، وكان إسحاق بن خلف يقول : ليس الخائف الذي يبكي ويمسح دموعه ، وإنما الخائف من ترك فعل الأمور التي يخاف أن يعذبه اللّه عليها ، وكان الحسن البصري يقول : قرأت قول اللّه تعالي : [ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ] « 1 » ، وصرت أردها فإذا بهاتف يهتف ويقول كم تردد هذه الآية وقد قتلت أربعة آلاف من الجن لما سمعوها ، فلم يرفعوا طرفهم إلى السماء حتى ماتوا . ( ووقف الفضيل بن عياض ) في يوم عرفة قابضا على لحيته ويبكي من الزوال إلى غروب الشمس وهو يقول : واسوأتاه وإن غفرت لي ، وكان حماد بن زيد لا يجلس قط إلا مستوفرا فقيل له في ذلك ، فقال : إنما يجلس مطمئنا من كان آمنا من عذاب اللّه وأنا غير آمن من نزوله علي ليلا ونهارا ، وكان عمر بن عبد العزيز يقول : لولا الغفلة لمات الخلق كلهم من خشية اللّه عز وجل .

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 185 .