عبد الوهاب الشعراني

49

تنبيه المغترين

وكم شممنا منك الروائح الطيبة حال طاعتك الخالصة وإن كان قد صحبهما بسوء قالا له لا جزاك اللّه عنا من صاحب خيرا فكم أحضرتنا معك حال معاصيك وكم شممنا منك رائحة النتن ، وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يقدر على رضا اللّه إلا من يعلم أن اللّه تعالى يراه على الدوام . ( قلت ) : قد ذكر المحققون أن مراقبة اللّه تعالى مع الأنفاس ليست من مقدور البشر فليتأمل ما هنا ، وكان سفيان الثوري يقول ما استعد للموت من ظن أنه يعيش غدا وكان يقول الطاعات تتفرع من ذكر الموت والمعاصي تتفرع من نسيانه . فاعلم يا أخي ذلك وعليك بالوحدة ومجالسة العباد والزهاد والعلماء العاملين ، وإياك ومجالسة الغافلين والراغبين فإن مخالطتهم ظلمة على القلب وحجاب عن شهود أهوال يوم القيامة ، والحمد للّه رب العالمين . النظر إلى الدنيا بعين الاعتبار ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : النظر إلى الدنيا بعين الاعتبار لا بعين المحبة لها وشهواتها كما قد درج عليه جمهور السلف الصالح رضي اللّه عنهم ، وقد جاء سعد بن أبي وقاص يوما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : أين كنت يا سعد ؟ فقال : كنت عند قوم في البادية همتهم لذات بطونهم وفروجهم . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : [ ألا أخبرك بما هو أعجب من ذلك ؟ فقال : بلى ، فقال : من عرف مثل هذا الذي أنكرت عليهم ثم فعل كفعلهم ] وكان سفيان الثوري رضي اللّه عنه يقول : من أعمل الفكرة والعبرة في الدنيا لم ينقص له عمل صالح . ( وقيل ) لحاتم الأصم متى يكون أحدنا من أهل الاعتبار في الدنيا فقال : إذا رأى كل شيء في الدنيا عاقبته إلى الخراب وصاحبه يذهب إلى التراب ، وكان يحيى بن معاذ يقول : ليكن نظرك إلى الدنيا اعتبارا وسعيك لها اضطرارا ورفضك لها اختيارا ، وكان حاتم الأصم يقول : من خرجت من داره جنازة ولم يعتبر لها لم ينفعه علم ولا حكمة ولا موعظة ، وكان أحمد بن حرب يقول : تعجب الأرض من رجلين ممن يمهد مضجعه للنوم ويوطئ فراشه تقول له الأرض يا ابن آدم لم لا تذكر طول بلاك في بلا فراش وتعجب ممن تشاجر مع أخيه في قطعة منها . تقول له الأرض لما لا تتفكر في أربابها قبلك فكم مضى من الناس رجل ملكها ولم يقم فيها . وكان مالك بن دينار يقول : كل من لم يعتبر بصره وبصيرته من هذه الدار إلى الدار الآخرة فهو محجوب القلب قليل العمل ، وقال إبراهيم بن أدهم : كان إبراهيم التيمي