عبد الوهاب الشعراني

50

تنبيه المغترين

يبول في صحن داره فخرج ليلا من حجرته ليبول فيه فلم يزل شاخصا إلى الصباح فقيل له ذلك ، فقال : لما أردت أن أبول تذكرت أهل النار وما هم فيه لم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وقيودهم إلى الصباح فلم يأخذني نوم . ( وكانت ) فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز تقول : واللّه ما سم عمر ولا قتل كما قيل ، وإنما مات في خشية اللّه وخوف النار ، وكان ثابت البناني يقول مردودا عليه السلام بتنور يوقد فتذكر النار الكبرى فاضطرب وصعق وكادت تخلص أعضاؤه وأوصاله وكانوا يشدونها بالحبال حتى يقدر على أن يحركها فلا تزال كذلك مشدودة أياما ، وكان يقول في أيام الحر إلهي لا صبر لنا على حر شمسك فكيف نصبر على حر نارك . وكان يزيد بن مرثد لا يزال عيناه تهملان بالدموع فقيل له في ذلك فقال : لو أذن اللّه تعالى على أن يدخلني في ماء الحمام إن عصيته لكان يحق لي أن أبكي الدم ، فكيف وقد وعد من عصاه أن يحرقه بالنار ، ومر عيسى عليه الصلاة والسلام على مقبرة فسمع قائلا يقول : كم من بدن صحيح ووجه مليح ولسان فصيح بين أطباق الثرى يصيح ، وكان أحمد بن حرب يقول ما رأيت أسخف من عقولنا نؤثر الظل على الشمس ولا نؤثر الجنة على النار . فاعلم ذلك يا أخي واجعل نظرك للوجود عبرة ، والحمد للّه رب العالمين . تحذير الناس ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تحذيرهم للناس أن يتبعوهم على أفعالهم الرديئة نصحا للعباد في حياتهم وبعد مماتهم لئلا يلحقهم الإثم بسبب من اتبعهم على تلك الصفات الرديئة التي ربما تقع منهم في غفلة أو سهو ، وقد بلغنا أن السيل كشف عن قبر أيام إسكندر ذي القرنين من ذهب طوله عشرة أذرع وعرضه كذلك فكشفوا الغطاء فإذا في ذلك القبر شخص نائم على سرير قوائمه من ذهب وهو مغطى بالحرير وفي عنقه لوح من زبرجد مكتوب فيه اسم واجب الوجود وعلة العلل كل ما له ابتداء فله انتهاء ، قد ملكت الربع المسكون من الدنيا ألف سنة وبلغ خراجي كل يوم زنة قبري هذا ذهبا ، وسخر لي الشمس والقمر والأفلاك ، أطاعني الريح والماء والنار والحديد ثم صعدت إلى الجو العلوي وتركت هذا الجسد بينكم يتلاشى ليعتبر به من بعدي ، فلا مخلوق إلا سيفنى والباقي اللّه رب العالمين ، ذكره الغزالي ففي ذلك تحذير هذا الملك للناس من أن يتبعوه في الغفلة عن الموت اشتغالا بالدنيا .