عبد الوهاب الشعراني

258

تنبيه المغترين

وجاء حوشب بن مالك إلى مالك بن دينار فقال : إني رأيت البارحة كأن مناديا ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل فما رأيت أحدا ارتحل سريعا سوى محمد بن واسع فصاح مالك صيحة وخر مغشيا عليه ، وكان سفيان بن عيينة يقول : مات أخ لي فرأيته بعد موته فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي كل ذنب استغفرته منه وما لم أستغفره منه لم يغفره لي . وكان صالح بن بشر يقول رأيت عطاء السلمي بعد موته فقلت له : يرحمك اللّه لقد كنت طويل الحزن في دار الدنيا فما فعل اللّه بك ؟ فقال : أعقبني ذلك الحزن راحة طويلة وفرحا شديدا ، قال : ورأيت الفضيل بن عياض بعد موته فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : لم أر شيئا أفضل من تأدية الفرائض فعليكم بها . وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : إني لأود أن حسناتي تفضل على سيئاتي ولو مثقال ذرة ولو أنهم أوقفوني بين الجنة والنار وقالوا لي : تمن ما تريد لتمنيت أن أكون ترابا ، وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : لو أني خيرت بين أن أبعث وأحاسب ثم أدخل الجنة بعد ذلك لاخترت أن لا أبعث ، وكان أبو ذر رضي اللّه عنه يقول : إن خوف الحساب لم يترك على بدني لحما ، وقد كان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول : إذا سبق العصاة إلى جهنم وهم عطاش فأول ما يتحفون في النار بسم العقارب والحيات فتذوب أبدانهم والعياذ باللّه تعالى ، وقد كان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنما يقول في قوله تعالى : [ لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ] « 1 » إنه الشوك اليابس الذي يقف في حلوقهم ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : يرسل اللّه تعالى على العصاة البكاء فلو أن السفن أجريت في دموعهم لجرت ، وقد تقدم أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول : كم من وجيه صبيح ولسان فصيح بين أطباق الثرى يصيح انتهى ، وأقاويل السلف في الخوف كثيرة والحمد للّه رب العالمين . تربية المريدين ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة استشهادهم في تربية المريدين بما أدب اللّه تعالى به عباده المقربين من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام والأولياء والصلحاء رضي اللّه عنهم في الكتب السالفة ، وذلك ليعلم المريدون أن تقوى اللّه تعالى لم يزل

--> ( 1 ) سورة الغاشية : الآية 6 .