عبد الوهاب الشعراني
247
تنبيه المغترين
( قلت ) معنى الحديث كما قاله بعض العلماء أنه يحب وقوف الناس بين يديه وهو جالس كما يفعل الملوك وبعض مشايخ العجم واللّه أعلم ، وكان أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : لم يكن أحد أحب إلينا من النبي صلى اللّه عليه وسلم وكنا إذا ورد علينا لا نقوم له لما نعلم من كراهيته لذلك إلا حسان بن ثابت رضي اللّه عنه كان يقوم له ولا يتمالك الصبر عن ذلك ويقول : لا يليق بمن له دين وعقل أن يراك يا رسول اللّه ولا يقوم ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقره على ذلك . وقد كان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : لا يزداد عبد يمشي الناس معه إلا بعدا من اللّه تعالى ، وفي رواية لا يزداد العبد بالمشي خلفه من اللّه تعالى إلا بعدا ، وقد قيل ليونس بن عبيد رحمه اللّه تعالى لما انصرف من الموقف بعرفة كيف كان الناس ؟ قال : بخير إلا أني كنت فيهم ولولا أن اللّه تعالى لطف بهم لما أنزل عليهم رحمة بسببي ، وكان زياد النميري رحمه اللّه تعالى يقول : الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر ، وكان عبد العزيز بن أبي رواد رحمه اللّه تعالى يقول : واللّه لا أعرف على وجه الأرض الآن رجلا أشر مني ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يخدم الضيوف بنفسه ويقوم ويصلح المصباح ، فإذا قيل له في ذلك يقول : قمت وأنا عمر وجلست وأنا عمر . وكان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى إذا دعي إلى وليمة يجلس بين المساكين ويلحس الأواني معهم قال : وثارت ريح حمراء فسألوا عبد اللّه بن مقاتل رحمه اللّه تعالى أن يدعو لهم فقال : يا ليتني لا أكون سببا لهلاكهم ، قال فرأى بعضهم النبي صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة في منامه وقال له : إن اللّه تعالى دفع عنكم شر ذلك الريح بدعاء عبد اللّه بن مقاتل حين هضم نفسه ، وقد صلى بشر بن منصور رحمه اللّه تعالى مرة وأطال فيها وكان ذا خشوع وكان خلفه رجل لم يعلم به فلما سلم من صلاته قال له يا أخي لا يعجبنك ما رأيت مني فإن إبليس قد عبد اللّه تعالى مع الملائكة آلافا من السنين ثم صار إلى ما تعلم . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس وهم ينفرون من مجالسة الأغنياء ومن مجالسة كل غافل عن اللّه تعالى ، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : لا تدخلوا على هؤلاء الذين يجمعون الدنيا ولا ينفقونها في سبيل اللّه تعالى ، فإن ذلك مسخطة للرب عز وجل ، وربما ازدرى أحدكم ما هو فيه من النعم برؤية أمتعتهم ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : كم من عالم يدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وليس معه من دينه شيء والعياذ باللّه تعالى .