عبد الوهاب الشعراني
246
تنبيه المغترين
وقد كان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : إني لأكره أن أرى رجلا فارغا من أعمال الدنيا والآخرة ، وكان أبو قلابة رضي اللّه عنه يقول : إذا كان الرجل في معاشه ساعيا فهو أفضل من الجالس في المسجد ، وقد كان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : ليس الشأن أن تصف قدميك للعبادة وغيرك يتعب لك إنما الشأن أن تحوز رغيفك في بيتك ثم تعلقه وتصلي فلا تبالي بعد ذلك بأي داق دق الباب ، بخلاف من قام في بيته يصلي وليس عنده شيء يأكله فيصير كل داق دق الباب يقول : إن معه رغيفا ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول لأصحابه : عليكم بالحرفة فإن عامة من أتى أبواب الأمراء إنما أتاهم من حاجة ا ه ، فاعلم ذلك يا أخي واعمل عليه واتبع سلفك ، والحمد للّه رب العالمين . حب المساكين ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : حب المساكين والتواضع لهم والنفرة من مجالسة الأغنياء من غير احتقار لهم عملا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : [ اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ] ، وقد كان سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام مع ما أوتيه من الملك إذا دخل المسجد يجالس المساكين ويقول مسكين جالس مساكين ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يحب أن ينادى يا مسكين ولم يكن أحب إليه إلا هذا الاسم ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : يختبر عقل الرجل بما إذا جلس بجنبه على بساطه مسكين رث الهيئة بغير إذنه فإن تكدر منه فهو ناقص العقل . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : بلغنا أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال : يا رب كيف لي أن أعلم رضاك عني ، فأوحى اللّه تعالى إليه أن انظر رضا المساكين عنك ، وروى أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه زجر جماعة من أهل الصفة في أمر بلغه عنهم رضي اللّه عن الجميع فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : [ لعلك يا أبا بكر أغضبتهم ، إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك ] قال : فذهب إليهم أبو بكر وتعطف بهم وقال : لعلي أغضبتكم ؟ فقالوا : لا ويغفر اللّه لك يا أبا بكر ، وقد كان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : أتباع الأنبياء في كل زمان الفقراء والمساكين دون الأغنياء والمتكبرين . وقد كان رسول اللّه أشد الناس تواضعا للفقراء وكان إذا جلس عندهم يضع الركبة على الركبة ويقول : إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد ، وفي الحديث [ من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار ] .