عبد الوهاب الشعراني

238

تنبيه المغترين

أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وتغير وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي من الهيبة فقالوا له : ألا تلبي ، فقال : أخشى أن أقول لبيك فيقال لي : لا لبيك ولا سعديك ، فقيل له : لا بد من قولك فلما لبى غشي عليه وسقط عن راحلته ولم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه ، ولما قبل الحجر الأسود قال : لولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبلك وكذا أصحابه رضي اللّه عنهم ما قبلتك . ( قلت ) وهذا يفهم أن عدم تقبيل أضرحة المشايخ أولى من تقبيلها لكون النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يثبت عنه أنه قبل شيئا من قبور إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا بلغنا أنه صلى اللّه عليه وسلم أقر أحدا على ذلك - يعني على تقبيل قبر أحد من صالحي أمته - فلذلك كان من الأدب التوقف عن تقبيل أضرحة المشايخ وأعتابهم ويجعل بدل ذلك الاقتداء بأخلاقهم ، ولما أحرم أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى بالحج لم يقدر أن يلبي حتى سار الركب ميلا وأخذته كالغشية في المحمل ثم أفاق فقال لأحمد بن أبي الحواري رحمه اللّه تعالى وكان معه يا أحمد إن اللّه عز وجل أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذلك فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة حتى يسكت عن ذكري ، ويحك يا أحمد ما يؤمننا أن اللّه تعالى يلعننا وقد ظلمنا أنفسنا وظلمنا غيرنا . وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : رأيت شابا محرما ساكت فقلت له : لما لا تلبي يا غلام ، فقال لي : يا شيخ وما تغني عني التلبية وقد سبق مني ذنوب وجرائم وقبائح وفضائح لا تحصى فأخاف إذا أن لبيت أن يقال لي : لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك ولا أنظر إليك ، قال مالك فقلت له : يا ولدي إن اللّه كريم غفور فقال : أو تشير علي بالتلبية ، قلت : نعم فوقع جنبه على الأرض وقال لبيك فشهق وخرجت روحه رحمه اللّه تعالى . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : حج سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى ماشيا من البصرة فقيل له : أما لك ظهر تركبه ، فقال : أما يرضي العبد الآبق أن يأتي إلى مصالحة سيده إلا راكبا ، واللّه إني لفي غاية الخجل من مجيئي إلى تلك الأرض ، وقد كان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : رأيت شابا مصفر اللون وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : اللهم إن لك عليّ حقوقا فتصدق علي بها وإن لعبادك علي حقوقا فتحملها عني من فضلك ، وقد تم فضلك عليّ . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : أدركنا الناس وهم يحجون