عبد الوهاب الشعراني

235

تنبيه المغترين

وجل ، ولولا وجود الحجاب النسبي لما كان الخليل عليه الصلاة والسلام إذا دخل في الصلاة يسمع لجوفه ضجيج من مسيرة ميل ، وإنما نقل عن الأكابر زيادة التعظيم للّه تعالى في الصلاة ، لأنهم يقفون فيها بين يدي الحق عز وجل كما يقف غلام الملك بين يديه وللّه المثل الأعلى اه . وفي الحديث [ خمس صلوات كتبهن اللّه تعالى على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عهد عند اللّه أن يدخله الجنة ] ، وفي الحديث أيضا [ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن وجدت تامة قبلت منه سائر أعماله ، وإن وجدت ناقصة ردت عليه سائر عمله ] ، وفي الحديث أيضا [ من لم يتم ركوع الصلاة ولا سجودها ولا خشوعها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول لصاحبها ضيعك اللّه كما ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء اللّه تعالى لفت كما يلف الثوب وضرب بها وجهه ] ، وكان سعيد التنوخي رحمه اللّه تعالى كلما صلى تصير دموعه تتناثر على خده ولحيته ، قال : ورأى الحسن البصري رحمه اللّه تعالى رجل يصلي وهو يعبث بلحيته فسمعه في سجوده يقول : اللهم زوجني في الجنة من الحور العين ما تقر به عيني ، فقال له الحسن : يا هذا ما رأيت خاطبا للحور العين أقل حياء منك تخطب الحور من اللّه تعالى وأنت تلعب . وكان مسلم بن يسار إذا دخل في الصلاة لا يدري أي شيء يكون ممن حوله ، وكان رحمه اللّه تعالى يقول لأهله : لا ترفعوا أصواتكم عندي إلا إذا رأيتموني دخلت في الصلاة ، فإني إذا كنت فيها لا أسمع شيئا من كلامكم ، وقد سقط جانب المسجد وهو يصلي فوقعت ضجة عظيمة وخرج الناس مسرعين منه وهو لا يعلم بذلك حتى سلم من الصلاة . وكان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه إذا حضرت الصلاة يصفر لونه ويتغير ويقول : إنها أمانة وإنها عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملتها أنا فلا أدري هل أوفي بآدابها أم لا ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : قال داود عليه الصلاة والسلام يا رب من الذي تقبل صلاته وينبغي له أن يدخل بيتك - يعني المسجد - فأوحى اللّه إليه من تواضع لعظمتي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي وأطعم الجائع وآوى الغريب ورحم المصاب ، فذلك الذي ينبغي له أن يدخل بيتي وأجيب دعاءه ، وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : ما صليت صلاة قط إلا ورأيت ما أتيت به فيها من سوء الأدب أكثر مما فعلت فيها من الطاعة .