عبد الوهاب الشعراني
219
تنبيه المغترين
وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : الهوى كمين في النفس لا يؤمن اتباعه ، قال تعالى : [ أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ] « 1 » ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : نحن اليوم لا نرى أحدا يعمل على وفق السنة وإنما كل يعمل على موافقة الهوى ما بين عالم وجاهل وعابد وزاهد وشيخ وشاب كل يعمل ليحمد على ذلك إما عند اللّه وإما عند الناس ، وكذلك يترك المعاصي خوفا من ازدراء الناس له لا خوفا من اللّه تعالى ، ومن ذا الذي لا يغضب منا ممن ذكره بسوء بين الناس اصطلحنا واللّه على المداهنة وتحاببنا بالألسن وتباغضنا بالقلوب وطلبنا العلم لغير العمل بل للتزين والمباهاة والرياسة على الناس لنحن أول من تسعر بهم النار ، وقد بلغنا أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام يا داود إن أردت محبتي لك فعاد نفسك وودني بعداوتها اه . وكان عبد العزيز بن أبي رواد رحمه اللّه تعالى يقول : إذا ذكرت أحوال السلف بيننا افتضحنا كلنا ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه يقول : واللّه لو أنكم تجدون للعاصي ريحا لما استطاع أحد منكم أن يجلس إليّ من خبث ريحي ، وكان عطاء السلمي رحمه اللّه تعالى إذا أصاب أهل البلد ريح أو غلاء أو فناء أو بلاء يقول : كل هذا من أجل ذنوب عطاء لو مات عطاء لاستراح الناس منه . وكان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول : ينبغي للعبد أن يكون عند اللّه من أجل الناس وعند نفسه من أشرهم ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : كل من ادعى درجة سقط منها وإذا كان الرجل في أعلى درجة فمن حقه أن يحقر نفسه ، وكان أبو معاوية الأسود رحمه اللّه تعالى يقول : كل من فضلني على نفسه من أصحابي فهو خير مني ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى إذا جلس إليه أحد وثقل على قلبه يوبخ نفسه ويقول لها : إنك لا تحبين الصالحين ولما رأيت خيرا منك كرهته وثقل عليك مجالسته . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى كثيرا ما يقول من أحب أن ينظر إلى مراء فلينظر إليّ ثم يمسك لحيته بيده ويبكي ويقول : كنت يا فضيل في شبابك فاسقا ثم صرت في كهولتك مرائيا واللّه للفسق أهون من الرياء ، وقد قال شخص مرة لمالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يا مرائي ، فقال له مالك : لقد عرفت يا أخي لقلبي الذي أضله أهل البصرة ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : كل من زعم أنه يحب اللّه وهو يحب نفسه
--> ( 1 ) سورة الفرقان : الآية 43 .