عبد الوهاب الشعراني

210

تنبيه المغترين

الناس ثم لم يغيروا منكرا قدروا عليه إلا أذلهم اللّه عز وجل ، وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللّه عليكم سلطانا ظالما لا يحل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم . وكان حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه يقول : دخلت على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فرأيته مهموما حزينا فقلت له ما يهمك يا أمير المؤمنين ، فقال : أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيما لي فقال : حذيفة واللّه لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك فإن لم تنته ضربناك بالسيف ، قال : ففرح عمر وقال الحمد للّه الذي جعل لي أصحابا يقوموني إذا اعوججت ، وقد أوحى اللّه تعالى إلى يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم ، فقال : يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ، فقال : لأنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم ، وكان أبو أمامة رضي اللّه عنه يقول : يحشر الناس من هذه الأمة على صورة القردة والخنازير بملاصقتهم لأهل المعاصي وتركهم نهيهم وهم يقدرون عليه اه . قلت : إذا كان هذا حال من يخالط أهل المعاصي ولا يفعلها فكيف حال من لا يكاد تسلم له جارحة نسأل اللّه اللطف ، وقد كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يخرج إلى السوق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ثم ترك ذلك فقيل له لم تركت ؟ فقال : كان قد انفتح في الدين قناة فطلبنا أن نسدها وأما الآن فقد انفتح البحر فيمن يقدر يسده . وقد قيل للفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فقال : أخاف أن أفعل ذلك فيصيبني أذى فلا أقدر على تحمله فيقع مني السخط والندم على أمري بالمعروف ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول لأصحابه : لا تقتدوا بي تهلكوا فإني رجل مداهن مخلط مقصر ، وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : إن من أكبر الذنوب عند اللّه تعالى أن يقول الشخص لآخر اتق اللّه فيقول له عليك بنفسك . وكان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول : لا يلزم أحدا الأمر بالمعروف إلا فيما اجتمعت عليه الأمة أما ما اختلفوا فيه فلا يلزم أحدا ، وكان حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه يقول : سيأتي على الناس زمان تكون مجالسة الناس كجيفة حمار وتكون جيفة الحمار أحب إليهم من مجالسة المؤمن الذي يأمرهم وينهاهم .