عبد الوهاب الشعراني

208

تنبيه المغترين

فقلت : إني لأرجو أن يكون المسلم أولى بذلك عند اللّه تعالى فإن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام أي كتكراره الشهادتين ، وكان عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه يقول : لا أحدثكم إلا عن كتاب منزل أو نبي مرسل إن العبد إذا عمل ذنبا ثم ندم عليه طرفة عين واستغفر اللّه تبارك وتعالى سقط عنه أسرع من طرفة عين . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة ، وفي الحديث [ ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم أكثر من سبعين مرة ] ، وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : ما ألهم اللّه تعالى عبدا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه ، وقد سئل الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى عن معنى قول العبد أستغفر اللّه ، فقال معنى اللهم أقلني من ذنبي ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : من قدم الاستغفار على الندم كان كالمستهزئ على اللّه تعالى ولا يشعر وإنها توبة الكذابين . ( قلت ) ويؤيد ذلك قوله تعالى : [ أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ] « 1 » فأخر الاستغفار عن التوبة المشتملة على الندم ، فليتأمل فإن الواو هنا للترتيب واللّه أعلم ، وقد سئل يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى ما بال المسلم إذا وقع في ذنب يكره أن يطلع عليه الناس أكثر من كراهته لاطلاع اللّه تعالى عليه هل ذلك من هوان منه بربه عز وجل ، فقال : لا ولكن ذلك من شدة معرفته بكرم ربه وجوده وأنه سبحانه لا يفضحه بخلاف الناس ، وقد بلغنا أن أعرابيا كان يقول في دعائه اللهم إن استغفاري مع إصراري لؤم وتركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك ورحمتك عجز ، فاغفر لؤمي برجائي لرحمتك يا أرحم الراحمين . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى إذا سمع قوله تعالى : [ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ] « 2 » يقول إلهي إذا كان هذا قولك في حق من قال أنا ربكم الأعلى ، فكيف يكون رفقك بمن لا يشرك بك شيئا بل يعلم أنك أنت اللّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وكان رحمه اللّه تعالى يقول : بلغنا أن اللّه سبحانه وتعالى يحاسب المسلمين يوم القيامة بالمن والفضل ويحاسب الكافر يومئذ بالحجة والعدل اه . فاعلم ذلك يا أخي وأكثر من الاستغفار ما دمت في هذه الدار فإنه يطفئ غضب الجبار ولا تظن محو ذنوبك إذا فعلت الأمور التي ورد في الشرع أنها مكفرة لذلك ، فقد يكون لها شر وظلم وتأت بها واعلم أن المؤمن لا يطمئن حتى يدخل الجنة فافهم ، والحمد للّه رب العالمين .

--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 74 . ( 2 ) سورة طه : الآية 44 .