عبد الوهاب الشعراني

180

تنبيه المغترين

تحسن إليه كل ذلك لخروج الأمور عن موضوعاتها لقرب الساعة ، وكان يقول : من أقبح المعروف أن تحوج السائل إلى أن يسأل وهو خجل منك فلا يجيء معروفك قدر ما قاسى من الحياء ، وكان الأولى أن تتفقد حال أخيك وترسل إليه ما يحتاج ولا تحوجه إلى السؤال . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : نحن لا نعد القرض من المعروف لأن صاحبه يطلب المقابلة وإنما المعروف المسامحة للناس في كل ما يطلبونه منك في الدنيا وفي الآخرة . وكان السري السقطي رحمه اللّه تعالى يقول : ذهب المعروف وبقيت التجارة يعطي أحدهم لأخيه الشيء لأجل أن يعطيه نظيره ، وقد كان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : من يكافئ صاحب الهدية فهو من المطففين ، وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال تعجيله وتصغيره في عين معطيه وإخفاؤه عن الناس ، وكان المهلب بن أبي صفرة رحمه اللّه تعالى يقول لأولاده : كل فقير رأيتموه يغدو ويروح عل بابكم فاعلموا أنه محتاج فأعطوه ولا تحوجوه إلى السؤال وكفى بالرواح والغد مسألة ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس وأحدهم يدخل دار أخيه وهو غائب فيرى السلة مملوءة فاكهة فيأخذها يأكل منها ويفرق منها بغير إذن ، فإذا جاء أخوه وأخبر فرح بذلك ، وقد كان لمحمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى بغل مربوط في دهليزه فكان كل من احتاج إلى ركوبه أخذه وركبه من غير استئذان لما يعلمون من طيب نفسه بذلك . وكان عبد اللّه بن المبارك مع شدة ورعه يكتب من محبرة إخوانه بغير إذن ، وقد دعي مسلم بن زياد رحمه اللّه تعالى إلى وليمة فأبطأ ثم ذهب فلما رآه صاحب الوليمة قال له : إنك قد أبطأت وقد أكل الناس الطعام وذهبوا وما بقي شيء ، فقال له مسلم : لعل القصاع قد بقي فيها شيء نلحسه ، فقال له : إنا قد غسلناها ، فقال له : لعل القدور قد بقي فيها شيء ، فقال له : وقد غسلناها أيضا ، فقال له : لعل كسرة من خبز ، فقال له : لم يبق عندنا ولا لقمة واحدة ، قال : فتبسم عند ذلك مسلم ورجع فقالوا له : إنك لم تتكدر منه ونحن نراك تبسمت ، فقال : إن الرجل قد دعا بنية صالحة وردنا كذلك بنية صالحة فعلام نتكدر ، وقد دخل جماعة دار سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى وهو غائب فأخذوا ما يأكلون وجلسوا يأكلون ويتحدثون في صلاح سفيان فبينما هم كذلك إذ أقبل سفيان فوجدهم على تلك الحال فبكى ، فقالوا له : ما يبكيك ؟ قال : كيف لا أبكي وقد ذكرتموني بأحوال السلف الصالح وعاملتموني بأخلاق الصالحين ولست منهم .