عبد الوهاب الشعراني

179

تنبيه المغترين

وهو ساكت ولا يرى له فضلا على أخيه ، وكانوا إذا بلغهم أن على أحد من إخوانهم دينا يوفونه عنه من غير أن يشاوروه عليه ، وكان المديون إذا علم ذلك يسكت وكأنه أوفاه هو من ماله لما يعلم من طيبة نفس أخيه بذلك ، وقد كانت معيشة الربيع بن خيثم وإبراهيم النخعي وعطاء السلمي رضي اللّه عنهم من صلة الإخوان ولم يكن لأحدهم زرع ولا ضرع ولا غير ذلك . ( قلت ) وما جاء عن السلف من ذمهم ترك الحرفة والأكل من طعام الناس مجمول على من يمن بذلك عليهم أو يطعمهم لأجل دينهم ونحوه ، وكانوا إذا سألهم أحد من إخوانهم وفاء دين يوفونه عنه ، ويقولون يا ويلنا قصرنا عن البحث عن حال أخينا حتى أحوجناه إلى سؤالنا ، وقد بلغ ابن المقنع رحمه اللّه تعالى أن جاره عزم على بيع داره لديون عليه فأرسل له ثمن الدار وقال : لا تبعها فإن نفعنا بها أكثر من نفعك أنت بها طالما جلسنا في ظلها ، وكان إبراهيم التيمي رحمه اللّه تعالى يجمع كل قليل جماعة من الفقراء ويجلسهم في المسجد ويقول لهم تعبدوا وأنا أقوم بخدمتكم ومؤنتكم ، وقد كان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول : من طلب مرضاة الإخوان بلا إحسان فقد أخطأ الطريق ، وفي رواية فليصل أهل القبور ، وقد كان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه يقول : خير المسلمين من أعانهم ونفعهم ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول استكثروا من شيء لا تأكله النار ولا التراب فيقولون ما هو فيقول المعروف ، فإن من لم تنفعك أيام صداقته فلا عليك منه إن قرب أو بعد ا ه ، فتأمل يا أخي في نفسك واتبع أقوال سلفك الذين تزعم أنك خلفهم ، والحمد للّه رب العالمين . شدة المحبة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة محبتهم لاصطناع المعروف إلى الإخوان ومحبة الانبساط إليهم وإدخال السرور على بعضهم بعضا وتقديم إخوانهم في ذلك على أنفسهم وكانوا لا يتوقفون على استحقاق إخوانهم لذلك ويقولون إن لم يكن أخونا أهلا للمعروف فنحن من أهله ، وكان علي رضي اللّه عنه يقول : اصنع المعروف ولو إلى من يكفره فإنه من الميزان أثقل مما يشكره . وكان محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه يقول : صانع المعروف لا يقع ولو وقع لا ينكسر ، وكان جعفر بن محمد رضي اللّه عنه يقول : إنما حرم اللّه الربا لئلا يتمانع الناس المعروف ، وكان معمر رحمه اللّه يقول : قد صار المعروف والإحسان اليوم سلما للسوء حتى قال الناس اتق شر من