عبد الوهاب الشعراني

167

تنبيه المغترين

من الغيبة أنه لم يسلم منها إلا القليل ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : اذكر أخاك إذا تواريت عنه بمثل ما تحب أن يذكرك به إذا توارى عنك ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : كفى بالمرء إثما أن لا يكون صالحا ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين ، وقد سئل الزهري رحمه اللّه تعالى عن حد الغيبة فقال : كلما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة ، وقد نام شقيق البلخي رحمه اللّه تعالى ليلة عن ورده فعتبته امرأته ، فقال : لا تعتبيني بأن نمت عن وردي هذه الليلة فإن غالب علماء بلخ وزهادها يصلون لي ويصومون ويفعلون ، فقالت له : وكيف ذلك ؟ قال : يبيت أحدهم يصلي طول الليل ويصبح صائما طول النهار ثم ينال من عرض شقيق ويأكل لحمه فتكون حسناتهم كلها في ميزانه . وكان أبو أمامة رحمه اللّه تعالى يقول : إن العبد ليعطي كتابه - يعني يوم القيامة - فيرى فيه حسنات لم يعملها فيقول يا رب أنى لي بهذا ؟ فيقال له : هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي من غيرهما . وكان محمد بن علي الترمذي رحمه اللّه تعالى يقول : من وقع في عرض أحد فكأنه قدمه بحسناته على نفسه وأحبه أكثر من نفسه ، قلت : فلا ينبغي له التكدير بل يحبه لم حصل له من الثواب وإن لم يقصد هو ذلك فعلم أن من تكدر ممن أهدى إليه حسناته فهو أحمق إلا إن كان تكدره لغرض شرعي ، وكان سعيد بن جبير رحمه اللّه تعالى يقول : إن العبد ليعمل الحسنات الكثيرة فلا يراها في صحائفه فيقول : يا رب أين حسناتي ؟ فيقال له ذهبت باغتيابك الناس وهم لا يعلمون . وكان المنصور بن المعتمر رحمه اللّه تعالى يقول : لا تنالوا السلطان إذا ظلم بل أكثروا له الاستغفار فإنه ما ظلمكم إلا بذنوبكم ، وقد سئل الزهري أي قيل له أنقع في عرض من يسب أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، قال : نعم ، وكان محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى يقول : من الغيبة المحرمة التي لا يشعر بها أكثر الناس قولهم إن فلانا أعلم من فلان فإن المفضول يتكدر من ذلك . ومن المعلوم أن حد الغيبة أن يذكر الشخص أخاه بما يكره ، وقيل أن طبيبين يهوديين دخلا على سفيان الثوري مرة فلما خرجا قال لولا أخشى أن تكون غيبة لقلت إن أحدهما أطب من الآخر .