عبد الوهاب الشعراني

168

تنبيه المغترين

وكان أخي الشيخ أفضل الدين رحمه اللّه تعالى إذا سئل عن مقام أحد من العلماء يقول سلوا غيري عن ذلك فإني ألحظ الناس بعين الكمال والصلاح وليس عندي كشف أعلم به مقامهم عند اللّه تعالى والظن أكذب الحديث ، وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه إذا مر على قوم يغتابون أحدا يقول : قوموا فتوضئوا فإن بعض ما تتكلمون به ربما كان أشد من الحدث ، وقد كان أبو تراب النخشبي رحمه اللّه تعالى يقول : الغيبة فاكهة القراء ومزابل الأتقياء ، وكان ميمون بن يسار رحمه اللّه يقول : اغتيب برجل مرة في مجلسي وأنا ساكت فقدم إلي في تلك الليلة جيفة منتنة وقيل لي : كل هذا ، فقلت : معاذ للّه كيف ذلك ؟ فقيل : هذا بما اغتيب عندك وأنت ساكت . وقد كان خالد الربعي رحمه اللّه تعالى يقول : تناول الناس رجلا يوما في المسجد فأعنتهم عليه ، فلما نمت تلك الليلة قدم إلى قطعة لحم خنزير وقيل لي كل ، فقلت : معاذ للّه أن آكله فأدخلوها في فمي كرها عليّ فاستيقظت وأنا أجد طعم ذلك في فمي ومكثت رائحته في فمي أربعين صباحا والناس تشمه مني ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : مثال من يغتاب الناس مثال من ينصب منجنيقا لحسناته ويصير يرميها شرقا وغربا في كل جهة اه . وكان عطاء الخراساني رحمه اللّه تعالى يقول : لا تتكدروا ممن اغتابكم فإنه أحسن إليكم من حيث لا يشعر ، وقد بلغنا أن من اغتيب غيبة واحدة غفر له نصف ذنوبه ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : لا يكمل صلاح الرجل عند اللّه تعالى حتى يكون علكا في أفواه الناس ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : من قال إن في القوم جفاء فليس ذلك غيبة إنما الغيبة أن يقول هم جفاة أي لأنه عين من اغتابه ، وكان يونس بن عبيد رحمه اللّه تعالى يقول : عرض على نفسي مرة الصوم في يوم حر شديد أو ترك ذكر الناس ، فكان الصوم أهون عليها من ذلك ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : لا تذكروا أهل الأهواء والبدع بسوء إلا لمن يبلغ لهم ذلك لعلهم ينزجرون وإلا لا فائدة لذكرهم عند من لم يبلغهم . ( قلت ) قد يقصد القائل بذلك تقبيح تلك الصفات في عيون الحاضرين وتلك فائدة بلا شك ، وكان يقول في حديث لا غيبة في فاسق أي لا تغتابوا الفسقة وكفوا عن غيبتهم ، وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : ثلاث خصال إذا كن في مجلس فإن الرحمة مصروفة عن أهله ، ذكر الدنيا وكثرة الضحك والوقيعة في الناس .