عبد الوهاب الشعراني

163

تنبيه المغترين

( قلت ) ومن صح له هذا المقام فلا يتطبب بأحد من الأطباء لأنهم ليس لهم يد في ذلك واللّه أعلم ، وقد قال عبد الملك بن مروان رحمه اللّه تعالى يوما للحجاج بن يوسف : يا حجاج ما من أحد إلا ويعرف عيب نفسه لا يكاد يخفى عليه شيء منه فقل لي يا حجاج على عيبك ، فقال له الحجاج : أعتقني من ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال عبد الملك لا بد وأقسم عليه ، فقال الحجاج : من عيبي أنني لجوج حسود حقود ، فقال له عبد الملك : قاتلك اللّه ليس في الشيطان أشر مما قلت . وقد كان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : إني أجيز شهادة القراء على الناس ولا أجيزها على بعضهم مع بعض ، لأنهم قوم حسدة ، وكذلك كان الإمام مالك رضي اللّه عنه يقول : سئل أوس بن خارجة من سيدكم ، فقال حاتم الطائي ، فقيل له : أين أنت منه ، فقال : لا أصلح أن أكون خادما له ، وسئل حاتم الطائي من يسودكم ؟ فقال : أوس بن خارجة ، فقيل له : أين أنت منه ؟ قال : لا أصلح أن أكون مملوكا له ، فكان الإمام مالك رضي اللّه عنه يقول : أين فقهاؤنا من هذا الأمر ، وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يوما لرجل من بعض القبائل من سيدكم يا هذا ؟ فقال الرجل : أنا يا أمير المؤمنين ، فقال له عمر : كذبت لو كنت سيدهم ما قلت ذلك . وقد كان ابن السماك رحمه اللّه تعالى يقول : من علامة الحاسد أن يدنيه منك الطمع ويبعده عنك سوء الطبع ، وإن أعظم الناس حسدا الأقربون والجيران لمشاهدتهم النعمة التي يحسدون عليها بخلاف البعيد ، ولذلك كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي اللّه عنهما أن مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا ، وقد قال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى لسفيان الثوري رحمه اللّه اعلم أن لو بذلت النصيحة للناس حتى صاروا مثلك في الدين ما وفيت بالنصيحة لهم فكيف توفيهم النصيحة ولم يبلغوا حالك ، وكان شقيق البلخي رحمه اللّه تعالى يقول : إذا كان فيك من الخصال ما يخافه عدوك فليس فيك خير فكيف إذا كان فيك ما يخافه صديقك ، واعلم أن من تعرض لمساوئ الناس عرض نفسه للهلاك ومن سلم الناس منه سلم هو من الناس ، ومن نم على الناس افتقر في دينه ودنياه وصار من خدام إبليس اه . ففتش يا أخي نفسك وانظر هل سلمت من الحسد لإخوانك المسلمين على ما آتاهم اللّه تعالى من فضله ، وهل بذلت لهم النصيحة كما أمرك اللّه أم أنت بالضد من ذلك واستغفر اللّه والحمد للّه رب العالمين .