عبد الوهاب الشعراني
154
تنبيه المغترين
وكان جعفر بن سليمان رحمه اللّه تعالى يقول في قوله عز وجل [ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً ] « 1 » إن الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك ورزقك ، والباطنة ما ستر اللّه تعالى عن الناس من عيوبك وذنوبك ذكره ابن عباس رضي اللّه عنهما . وكان عون بن عبد اللّه رحمه اللّه تعالى يقول : إن اللّه تعالى أنعم على العباد على حسب كرمه وطلب منهم الشكر على قدر حالهم ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول في قوله تعالى : [ إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ] « 2 » قال يعني يعد المصائب وينسى النعم ، وكان عون بن عبد اللّه رحمه اللّه تعالى يقول في قوله تعالى : [ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ] « 3 » يعني يرون النعم أنها من اللّه عز وجل ثم يضيفونها إلى الخلق غافلين عن اللّه تعالى ويقولون لولا فلان ما وصلت إلينا اه . وكان بشر الحافي رضي اللّه عنه يقول : من شكر اللّه بلسانه دون بقية أعضائه فقل شكره لأن شكر البصر إن رأى خيرا وعاه أو شرا ستره ، وشكر السمع إن سمع خيرا حفظه أو شرا نسيه ، وشكر اليدين أن لا يأخذ بهما ولا يعطي إلا حقا وشكر البطن أن يكون ملآنا من العلم والحلم وشكر الفرج أن لا يفعل به إلا ما أبيح له وشكر الرجلين أن لا يمشي بهما إلا في الصلاح ، فمن فعل ذلك فهو من الشاكرين حقا ا ه ، ففتش نفسك يا أخي وانظر هل شكرت ربك كما شكر هؤلاء أم قصرت فاستغفر اللّه ، والحمد للّه رب العالمين . التقوى ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة تدقيقهم في التقوى وعدم دعوى أحد منهم أنه متق فإن الحق تبارك وتعالى ربما أحصى على العبد مثاقيل الذر وهذا خلق غريب في هذا الزمان ، بل غالب الناس يدعي التقوى من غير مناقشة لنفسه ويقنع بذكره اللّه تعالى صباحا ومساء مثلا ولا يناقش نفسه في قول ولا فعل ولا مطعم ولا مشرب ولا ملبس بل هو كالتمساح الهائم على الحرام ، فصورة عمامته وعذبته صورة شيخ وأقواله وأفعاله على صورة الفسقة والمنافقين ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول : لا يبلغ أحد مقام التقوى حتى لا يكون له فعل ولا قول يفتضح به في الدنيا والآخرة ، وقد قال له رجل
--> ( 1 ) سورة لقمان : الآية 20 . ( 2 ) سورة العاديات : الآية 6 . ( 3 ) سورة النحل : الآية 83 .