عبد الوهاب الشعراني
153
تنبيه المغترين
الشكر للّه ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شهودهم في نفوسهم أنهم لم يقوموا بذرة واحدة من شكر ربهم ، وذلك لأنهم يرون أن جميع ما يشكرونه من جملة نعمه عليهم فلا تنفذ نعم اللّه تعالى أبدا ولا يصح من أحد مقابلتها ، وكان بكر بن عبد اللّه المزني رحمه اللّه تعالى يقول : ما قال عبد الحمد للّه إلا وجب عليه بذلك شكر آخر ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : إذا كان الذي تشكر اللّه تعالى به نعمة منه عليك من نعمه عز وجل فما ثم شكر حقيقة ، وإنما الشكر اعترافك بكثرة نعمه عليك وأنك لا تحصي ثناء عليه عز وجل . وكان سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى يقول : أداء الشكر للّه تعالى أنك لا تعصيه بنعمه عليك فإن جوارحك كلها من نعمه عليك فلا تعصه بشيء منها ، وقد كان مجاهد ومكحول رحمهما اللّه تعالى يقولان في قوله تعالى : [ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ] « 1 » إنه الشراب البارد وظل المساكن وشبع البطن واعتدال الخلق ولذة المنام ، وقد سئل الحسن البصري عن الفالوذج أهو من أكبر النعم ؟ فقال : نعمة اللّه سبحانه وتعالى علينا في الماء البارد العذب أعظم منه . وقد مر وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يوما على رجل أصم أبكم مصاب فقال له شخص هل بقي على هذا نعمة ، فقال وهب : نعم إساغة ما يأكل وما يشرب وتسهيله ونحو ذلك ، يعني إذا خرج فذلك أعظم من النعم الظاهرة التي فاتته ، وكان الشعبي رحمه اللّه تعالى يقول : لو قاس الناس البلاء بما فوقه لوجدوا بعض البلايا عافية ، وقد كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما إذا قدم إليه طعام يقول الحمد للّه الذي جعلني أشتهيه فكم من يقدر عليه ولا يشتهيه يعني من شدة المرض والوجع ، وكان سفيان الثوري إذا مر عليه أحد من أهل الشرطة يخر ساجدا للّه تعالى ويقول : الحمد للّه الذي لم يجعلني شرطيا ولا مكاسا ثم يقول لأصحابه إنه يمر على أحدكم المبتلى الذي يؤجر على بلائه فتسألون ربكم العافية ويمر عليكم هؤلاء الظلمة الذين يأثمون ببلائهم فلا تسألون اللّه العافية ، وكان زيد بن أسلم رحمه اللّه تعالى يقول : مكتوب في التوراة العافية هي الملك الخفي ، وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : من كان له زوجة ومسكن ومركب وخادم فهو من الملوك ،
--> ( 1 ) سورة التكاثر : الآية 8 .