عبد الوهاب الشعراني
150
تنبيه المغترين
تشكوني إلى خلق ، وعاملني كما أعاملك فكما لا أشكوك إلى ملائكتي إذا صعد إليّ عملك القبيح كذلك لا ينبغي أن تشكوني إلى خلقي إذا نزل بك بلاء ، وقد بلغني أنه لما أهلك اللّه تعالى جميع مال أيوب عليه الصلاة والسلام دخل بيته ونزع ثيابه وقال : هكذا خرجت إلى الدنيا وكذا أخرج منها . وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام يا داود اصبر على المئونة تأتك من اللّه المعونة ، وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول : لو كانت الدنيا نعيما بلا كدر لكانت هي الجنة ولم نحتج إلى الانتقال منها ، وكان محمد بن الحنيفية رضي اللّه عنه يقول : احذر من الشكوى فإنها تفرح عدوك وتحزن صديقك ا ه ، فاعلم يا أخي ذلك وكن صابرا تغنم والحمد للّه رب العالمين . كثرة التسليم لأمر اللّه ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة التسليم لأمر اللّه تعالى والرضا بقضائه عند فقد ولد أو أخ أو أحد من الأهلين والأقارب إيثارا لمراد اللّه عز وجل على مرادهم ، وقد مات مرة ولد لداود عليه الصلاة والسلام فحزن عليه حزنا شديدا فقيل له : ما كان يعدل عندك ؟ قال : ملء الأرض ذهبا أنفقه في سبيل اللّه عز وجل ، فأوحى اللّه إليه لك من الأجر مثل ذلك ، وكان بكر المزني رحمه اللّه تعالى يقول : لا فائدة في الجزع بعد الموت لأنه لا يرد فائتا ، وقد كان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : إذا رأيتم صاحب المصيبة قد مزق ثيابه وأظهر الجزع فلا تعزوه فإنه صاحب إثم فمن عزاه فقد شاركه في الإثم ، إنما الواجب نهيه عن ذلك وكان أبو سعيد البلخي رحمه اللّه تعالى يقول : من أصيب بمصيبة فمزق ثوبا أو ضرب خدا فكأنما أخذ رمحا يقاتل به ربه عز وجل ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : من أصيب بمصيبة فليفعل في اليوم الأول ما يفعله في اليوم الخامس من مصيبته - يعني من ضحك أو أكل وغير ذلك - ، وفي الحديث قال صلى اللّه عليه وسلم : [ من سعادة العبد رضاه بقضاء اللّه تعالى ] . وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : أول شيء كتبه اللّه في اللوح المحفوظ إني أنا اللّه لا إله إلا أنا محمد رسولي من لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ له ربا سواي ، ومن استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين ، وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول : من ذروة الإيمان الاستسلام