عبد الوهاب الشعراني
149
تنبيه المغترين
كثرة الصبر ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الصبر على البلايا والنوازل وعدم سخطهم على مقدور ربهم عز وجل وكانوا يقولون من لم يصبر فليتصبر لحديث [ ومن يتصبر يصبره اللّه تعالى ] فعلم أن من لم يصبر على فضول الدنيا من طعام ومنام وكلام وجماع وغير ذلك لا تقول له الملائكة يوم القيامة سلام عليكم بما صبرتم ، بل هو يومئذ في هم وغم وعدم أمن بخلاف من سلمت عليه الملائكة عليهم الصلاة والسلام فإنه يأمن ويزول عنه الهم والغم ويصير في فرح وسرور وأمن ، وقد كان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول في قوله تعالى : [ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ] « 1 » أنه الفقر والمرض . وكان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول : لا يوصف بالصبر إلا من صر على أذى الناس له ولم يقابلهم بنظيره يعني لا سرا ولا جهرا حتى بالدعاء عليهم والتوجه فيهم إلى اللّه تعالى ، وأعظم الصبر أيضا صبر العبد عما نهى اللّه عنه وعلى ما أمره اللّه بفعله ، وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : إن اللّه تعالى ليواصل البلاء بعبده المؤمن فينزل عليه بلاء بعد بلاء حتى يمشي وليس عليه خطيئة ، وقد عثرت امرأة فتح الموصلي رحمها اللّه تعالى مرة فطار ظفرها فضحكت ، فقيل لها : ألم تجدي ألم الظفر ؟ ، قالت : بلى ولكن ثواب ذلك ألهاني عن وجود الاشتغال بالألم ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لولا الفقر والمرض والموت ما طأطأ ابن آدم رأسه من شدة الكبر ، ثم بعد ذلك هو وثاب على معاصي اللّه تعالى . وقد شكا الأحنف بن قيس رحمه اللّه تعالى وجع ضرسه لعمه فقال له : يا أحنف أراك تشكو وضع ضرسك من ليلة واحدة واللّه إن لي بذلك نحو ثلاثين سنة ما أظن أن أحدا شعر بذلك غيرك ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : مر موسى عليه الصلاة والسلام يوما برجل قد خرقت السباع بطنه ونهشت لحمه فعرفه موسى فوقف عليه وقال : يا رب إنه كان مطيعا لك فما الذي أرى ، فأوحى اللّه إليه يا موسى أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فابتليته لأبلغه تلك الدرجة . وقد كان كعب الأحبار رحمه اللّه تعالى يقول : من شكا مصيبة نزلت به إلى غير اللّه تعالى لم يجد للعبادة بعد ذلك حلاوة حتى يتوب اللّه تعالى عليه ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : أوحى اللّه تعالى إلى العزير عليه السلام إذا نزلت بك بلية فاحذر أن
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 177 .