عبد الوهاب الشعراني

110

تنبيه المغترين

لحيتك ، فقال له : إني إذا لفارغ القلب ، وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : ربما أريد أن أغسل ثوبي فأفكر في قلبي فأتركه ، وكان يغسل ثوبه بالأشنان فقط دون الصابون ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى لا يزيد على العباءة صيفا وشتاء ليلا ونهارا ، وكان أبو إسحاق السبيعي رحمه اللّه تعالى يقول : كانت طيالس الناس قعر بيوتهم ولم يكن يلبس الطيلسان على عمامته إلا شهر بن حوشب فقط رحمه اللّه ، وقد كان أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : ما شبهت الناس اليوم في المساجد وعليهم الطيالسة إلا بيهود خيبر اه . ( قلت ) المطلوب من الطيلسان على الرأس إنما هو كف النظر عن فضول النظر للحيطان وغيرها ، وليس هو بكبير أمر وإنما الشأن أن يلبس على قلبه طيلسانه يمنعه أن يمد بصره إلى شيء من شهوات الدنيا ، قال تعالى : [ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ] « 1 » ، ولكل مقام رجال واللّه أعلم ، وقد كان عروة بن الزبير رضي اللّه عنهما يقول : رأيت رداء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يخرج به إلى الوفود طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر فكان عند الخلفاء بعده صلى اللّه عليه وسلم حتى خلق كانوا يلبسونه يومي العيدين ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه يقول : يا قارئ مالك وللطيلسان إنما ينبغي لك مدرعة صوف وعصا كراع تفر من اللّه إلى اللّه وتشوق إخوانك إلى اللّه ، وقد كان يوسف بن أسباط رحمه اللّه تعالى يقول : رأيت سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى في طريق مكة فقومت ما عليه من الثياب حتى نعله فوجدت ذلك يساوي درهما واحدا أو أربع دوانق ، واعلم يا أخي أن دليل القوم في هذا الخلق قوله صلى اللّه عليه وسلم : [ البذاذة من الإيمان ] والبذاذة لبس الخلق من الثياب فلا يبالي الشخص بأي ثوب لبس ، والحمد للّه رب العالمين . عدم الإسراف ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم إسرافهم في الحلال إذا وجدوه وذلك لأن الحلال غريب في كل زمان بحسب تفاوت أهله في المقام ، فربما كان حلالا عند قوم وغير حلال عند قوم آخرين وقد كان السلف يقدمون كسف الدراهم الحلال على سائر مهماتهم وذلك لأنهم من أبناء الآخرة بيقين ، والأعمال الأخروية الخالصة لا تقع إلى علي يدي من أكل حراما أو شبهات ، فإن من أكل حراما نشأ عنه فعل الحرام ومن أكل شبهة نشأ عنه فعل الشبهة حتى لو أراد من أكل الحرام أن يطيع اللّه لما قدر على ذلك .

--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 88 .