عبد الوهاب الشعراني

7

تنبيه المغترين

يرمي نفسه على الأمراء لأجل طلب الدنيا فكيف بنا نحن مع عدم رياضتنا نفوسنا وعدم حاجتنا إليه ، ثم إن الباشا أرسل للشيخ ضيافة ولم يأت إليه وقال : إنما فعلت ذلك مع الشيخ لأعلمه الأدب فإن ذهاب مثلنا إنما يكون لمن نعرض عليه الدنيا فيردها علينا ، وأما من يطلبها منا ويسافر من وطنه لأجل ذلك فلا يستحق أن أحدا منا يمشي إليه ، وآخر الأمر أن الشيخ رد خائبا إلى بلاده . وقال لي الأمير محمد دفتردار مصر مرة أنا لا أعتقد في مشايخ مصر الآن ولو مشى أحدهم في الهواء فقلت له : لماذا فقال لأني رأيتهم يجتهدون في طلب الدنيا أكثر مما نجتهد نحن فيها ، قال : وقد دخل على شيخ منهم في رمضان ليفطر عندي فقلت له هذا الطعام عندي في حله شك فلا تأكل منه فقال قدمه لي وعلى حسابه في الآخرة فكيف أعتقد مثل هذا وأنا لا تطيب نفسي أن آكل منه مع إني معدود من الظلمة اه . ولما مات الشيخ نور الدين الشعراني رأيته في المنام ، وقال : أنا نادم على قبول الرزقة التي أعطاها لي خاير بك فإني طول عمري كنت حرا اه . فإياك يا أخي أن تظن بالمشايخ الذين أدركناهم إنهم كانوا مثل هؤلاء في قلة الورع والقناعة فتسيء الظن بهم ، وإياك يا أخي أن تتظاهر بالمشيخة في هذا الزمان إلا إن كنت محفوظ الظاهر والباطن من التخليط ، كأكل أموال الكشاف ومشايخ العرب والظلمة فإن تظاهرت بذلك وظاهرك غير محفوظ فقد خنت اللّه ورسوله وأهل الطريق وأتلفت دين من يتبعك وكان عليك إثم الأئمة المضلين زيادة على إثمك لا سيما إن ادعيت أنك أعلى مشايخ مصر مقاما . فلذلك وضعت هذا الكتاب كالميزان الذين يتبين به الرابح من الخاسر والمحق من المبطل والصالح من الصالح فأعرض يا أخي ما فيه من الأخلاق على كل من طلبت أن تصحبه من هؤلاء المشايخ الظاهرين في هذا الزمان فإن وجدته متخلقا به فاصحبه واقتد به وقبل رجله ، وإن وجدته غير متخلق به فاضرب عنه صفحا من غير ازدراء له وكل أمره إلى اللّه تعالى فأكرم به من كتاب جاء على حين فترة من أيام الرجال الصادقين مجددا لما هدم من أخلاق القوم كما درج عليه العلماء العاملون في كل عصر فيأتي أحدهم مجددا بمؤلفاته ما اندرس من معالم الطريق كالحارث المحاسبي وأبي طالب المكي وأبي نعيم وأبي القاسم القشيري والإمام الغزالي والشهاب السهروردي وغيرهم رضي اللّه عنهم . وقد كان آخر المجددين في القرن الثامن سيدي الشيخ أبو عبد اللّه محمد الغمري