عبد الوهاب الشعراني

8

تنبيه المغترين

المدفون بالمحلة الكبرى رحمه اللّه تعالى ، فكانوا يسمونه فقيه الصوفية فإنه ضبط في مؤلفاته أخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخلاق السلف الصالح ولا أعلم أحدا جاء بعده حذا حذوه في ضبط أخلاق القوم غيري بحمد اللّه تعالى كما ستراه إن شاء اللّه في هذا الكتاب . ولو أن أحدا فعل ذلك في هذا العصر غيري لكنت دللت الإخوان على مطالعة مؤلفه وكنت لم أتعب نفسي في تأليف هذا الكتاب لأنه يصير حينئذ لا فائدة فيه ، ولعل قائلا يقول : إن مطالعة كتابك هذا تكشف عورات الفقراء من أهل العصر فهلا أسبلت ذيل الستر على إخوانك فإنه لا يدع أحدا يعتد في أحد من مشايخ هذا العصر فنقول لهذا القائل أن جمهور العلماء والصوفية من السلف قد سبقونا إلى التأليف في مثل ذلك وبينوا أخلاق الصالحين من الطالحين والصادقين من الكاذبين والمتفعلين من المخلصين ولم يلتفتوا إلى كون ذلك يلزم منه كشف سوأة من كان بخلاف الصفة من أخلاق السلف الصالح ، قال اللّه تعالى : [ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ] « 1 » ، فهو وإن لزم من بيان صفات الصالحين هتك أستار الكاذبين فلا حرج عليهم في ذلك لقصدهم بالأصالة الخير للمسلمين ومعلوم أن الإثم إنما هو تابع للقصد نظير ما قاله العلماء في الجنب يقرأ القرآن ، لا بقصد القرآن أنه لا يأثم ، قالوا : لأنه لا يكون قرآنا إلا بالقصد ويؤيد ذلك ما ذهب إليه جمهور علماء الأصول من أن لازم المذهب ليس بمذهب فعلم أنه يجب حمل أشياخ الشريعة والحقيقة الذين حطوا على أهل زمانهم أنهم قصدوا رفع همة إخوانهم إلى أرفع مما هم عليه من الأخلاق الحسنة لا غير محبة في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي إحياء شريعته لا تشفيا للنفس من الأقران وطلبا للرياسة عليهم وانتشارا للصيت عليهم بالصلاح حاشاهم رضي اللّه عنهم من قصد مثل ذلك ، وأسأل اللّه تعالى من فضله أن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه وكاتبه وسامعه والناظر فيه إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب وسميته : [ تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه السلف الطاهر ] . جعله اللّه تعالى خالصا لوجهه الكريم ، وأعيذه بكلمات اللّه التامات من شر كل عدو وحاسد يدس فيه ما ليس من كلامي مما يخالف ظاهر الكتاب والسنة ، كل ذلك لأجل أن ينفر الناس من مطالعته ويحرمهم مما فيه من الفوائد كما وقع لي ذلك في كتابي المسمى ( بالبحر المورود في المواثيق والعهود ) ، وفي مقدمة كتابي المسمى ( بكشف الغمة عن جميع الأمة ) وحصل بسبب ذلك فتنة عظيمة في الجامع الأزهر وغيره ، وظن غالب المتهورين أن ما

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 29 .