عبد الوهاب الشعراني

380

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

تعالى من الشرائع إلا ما تقع به المصلحة في العالم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ومهما زيد فيه أو نقص منه أو لم يعمل بما قرره الشارع فقد اختل نظام المصلحة المقصودة للشارع فيما نزله وقرره من الأحكام وقد عاب بعض أكابر الصحابة على عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، في قولها : « لو رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما صنع النساء بعده لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل » . لايهام هذا القول الاعتراض على الشارع وأنه لم يعلم أن ذلك يقع من الناس ، وأطال الشيخ محيي الدين في ذلك ثم قال : فعلم أن من سلك كمال الأدب لا يجد قط في نفسه حرجا مما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه » قولا عاما اللهم إلا أن يحصل من ذلك ريبة ظاهرة فلا منع من المنع وأما على الظن والتوهم فلا ، فالعاقل لا ينبغي له أن يغار إلا في مواطن مخصوصة شرعها الحق تعالى له لا يتعداها وكل غيرة تعدت ذلك فهي خارجة عن حكم العقل منبعثة عن حكم الهوى فليس لإنسان أن يغار على كشف زوجته وجهها في الإحرام فإن اللّه تعالى قد شرع لها ذلك وأوجب عليها كشفه مع أن اللّه تعالى أغير من جميع خلقه كما في « الصحيح » : إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد واللّه أغير مني . ومن غيرته أنه تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فمن زاد على ما جعل الحق تعالى غيرته فيه من الفواحش فكأنه ادّعى أنه أغير من اللّه تعالى لكونه غار على أمر ليس هو بفاحشة عند اللّه تعالى وما أحسن قوله تعالى : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] ولو عرض الإنسان حال إيمانه وأدخله في هذا الميزان لعلم أنه بعيد عن مقام الإيمان الذي ذكره اللّه تعالى في قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ النساء : 65 ] إلى آخره . فإن اللّه تعالى نفى الإيمان عمن هذه صفته وأقسم بنفسه عليه أنه ليس بمؤمن وأطال الشيخ في ذلك ثم قال : ولولا تعلق الأغراض النفسانية ما نزلت آية الحجاب فإنها إنما نزلت باستدعاء بعض النفوس وأهل اللّه عز وجل يفرقون بين الحكم الإلهي إذا نزل ابتداء من اللّه وبين الحكم الإلهي إذا نزل مطلوبا لبعض العباد وكأنه تعالى سئل في تنزيله فأجاب السائل إذ لولا ذلك ما نزل ، وفي البخاري عن محمد بن كعب القرظي التابعي الجليل أنه كان يقول : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على المسلمين من أجل مسألته ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يخاف على أمته من كثرة تنزل الأحكام لئلا يعجزوا عنها ، كما قال لمن سأله