عبد الوهاب الشعراني

381

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

عن الحج أكل عام يا رسول اللّه . قال : « لا ولو قلت نعم لوجبت ولم يستطيعوا » وأطال في ذم السؤال . ثم قال : فعلم أن من كمال العارف أن يعتني بالأمر المنزل ابتداء أشد من اعتنائه بما نزل بسؤال فاللّه تعالى يفهمنا مقاصد الشرع حتى لا نخرج عنه وما رجح أحد بهواه شيئا سكت الشارع عن بيان كخطبة العيد فإن الشارع فعلها ولم يخبرنا بكونها واجبة أو مندوبة فخلاص العبد من اتباع الهوى أن يفعلها على وجه التأسي به صلى اللّه عليه وسلم ، بقطع النظر عن كونها واجبة أو مندوبة . ( وسمعت ) : سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : ما من عالم يأمر الناس بفعل شيء لم يصرح الشارع بالأمر به إلا تمنى يوم القيامة أنه لم يكن رجح شيئا ثم إن المرجحين بأهويتهم خلاف ما رجح الشارع رجلان : الواحد يغلب جانب الحرمة والثاني يغلب رفع الحرج عن هذه الأمة رجوعا إلى الأصل فهذا عند اللّه أقرب منزلة من الذي يغلب الحرمة إذ الحرمة أمر عارض عرض للأصل ورافع الحرج دائر مع الأصل وإليه يعود حال الناس في الجنان يتبوءون من الجنة حيث شاءوا وما أغفل أهل الأهواء وإن كانوا المؤمنين عن هذه المسألة وسيندمون إذا انكشف الحجاب . فإياك يا أخي وهوس الطبيعة فإن العبد فيه ممكور به من حيث لا يشعر قال الشيخ : وكم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين حيث غلبت أهواؤهم على عقولهم فأنا آخذ بحجزهم عن النار وهم يقتحمون فيها وقد دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بعض الصحابة إلى طعامه فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : وهذه وأشار إلى عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، فقال الرجل : لا . فأبى أن يجيبه إلى أن أنعم له فيها أن تأتي معه فأقبلا يتدافعان يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعائشة إلى منزل ذلك الرجل واللّه تعالى يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . فأين إيمانك اليوم لو رأيت صاحب منصب من قاض أو خطيب أو وزير أو سلطان يفعل مثل هذا تأسيا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هل كنت تنسبه إلا إلى سفساف الأخلاق ولو أن هذه الصفة لم تكن من مكارم الأخلاق ما فعلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق ونظير هذه الواقعة نزوله صلى اللّه عليه وسلم ، من فوق المنبر وهو يخطب حتى أخذ الحسن والحسين وصعد بهما المنبر لما رآهما يعثران في أذيالهما ثم عاد إلى خطبته أترى ذلك كان من نقص حال ؟ لا واللّه بل كان من كمال معرفته بربه عز وجل لأن ذلك من الشغل باللّه لا عن اللّه وقد عاب العارفون على الشبلي