عبد الوهاب الشعراني
361
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
( فإن قلت ) : فهل كان عدم إجابة أكثر قوم نوح عليه الصلاة والسلام ، لضعف عزمه أم لاتساع حاله وغلبة التسليم للّه تعالى عليه فلم يكن له همة تنفذ فيهم . فالجواب : ليس للهمة من الداعين أثر في المدعوين جملة واحدة . ومن قبل من رسول ما قبل فليس ذلك من علو همة الداعي وإنما ذلك من حيث ما وهب اللّه تعالى لخلقه من المزاج الذي اقتضى له قبول مثل ذلك ويسمى هذا المزاج الخاص الذي لا يعلمه إلا اللّه تعالى وبه كان كفر أول من كفر ممن ليس له أبوان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ورد ، فعلم أنه لو كان تأثير الكلام في المدعو من همة الداعي فقط لأسلم كل من شافهه الرسول بالخطاب كائنا من كان لنفوذ همته وكان يقدح في كمال الرسل رد قومهم رسالتهم ولا قائل بذلك فسقط قول من يقول : لو كان الواعظ صادقا مخلصا في وعظه لأثر وعظه في قلوب السامعين فإنه لا أصدق من الرسل ومع ذلك فلم يعم قولهم في السامعين قبولا بل قال نوح عليه الصلاة والسلام : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ( 6 ) [ نوح : 5 ، 6 ] فلما لم يعم القبول في السامعين لكلام الرسل مع تحققنا علو همتهم علمنا أن الهمة ما لها أثر جملة واحدة . وإنما ذلك من المزاج كما مر ، ومن سمع قول واعظ فلم يؤثر فيه القبول فالعيب منه لا من الواعظ إذ صاحب العقل السليم يؤثر فيه الكلام الحق على يد أي من جاء به من الناس ولو من كافر باللّه إذ الوحي الذي جاء به المشرك حق على كل حال وإن لم يعمل به حامله فالعاقل يقبل ذلك من حيث كونه حقا لا من حيث المحل الذي ظهر به . ( فإن قلت ) : فما إيضاح ذلك ؟ ( فالجواب ) : أن تنظر في حال المدعو فإن رأيته في حال سماعه يسمع من الواعظ كلاما ولم يؤثر فيه ثم إنه يسمع من واعظ آخر بعينه فيؤثر فيه . فاعلم أن ذلك التأثير لم يكن من حيث قبوله الحق وإنما هو من حيث وجود نسبة بينه وبين الواعظ الثاني من اعتقاد فيه أو نحو ذلك فما أثر في السامع سوى نفسه وفي القرآن العظيم إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] وقال : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ [ البقرة : 272 ] أي : ليس عليك أن توفقهم لقبول ما أرسلتك به وأمرتك ببيانه وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] وهو أعلم بالمهتدين . أي : الذين