عبد الوهاب الشعراني

649

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

الحقائق ولذلك سميت الحاقة قال تعالى : الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) [ الحاقة : 1 - 2 ] قال المفسرون سميت الحاقة لأن فيها حواق الأمور وليس فيها أباطيل ولا أكاذيب بدليل قوله تعالى لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) [ النبأ : 35 ] وإذا كانت اللذة الخيالية بالتمني والأمنية في الجنة من حيث إن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فذلك يدل على أن اللذة الخيالية فيها معدومة ، قال وهذا القول عندي صحيح إذ اللذات الخيالية أماني والأماني أكاذيب وأباطيل فلا يكون ذلك في الآخرة فإن كل ما يشتهيه أهل الجنة يجدونه في الحال عيانا نقدا فلا يكون لهم أمنية ، التذاذهم يكون بالموجود المشاهد لا بالمفقود المتمني المتخيل فافهم ذلك فإنه من غرائب أمور الآخرة وأما اللذة العقلية فلا خلاف في أنها لذة الأشياء وأقواها وأسرها للنفس وأشهاها وأبسطها للروح وأحلاها اعتبر ذلك بلذة الفهم والعلم فإنك إذا أدركت مسألة كانت تشكل عليك رأيتك تجد في قلبك وفي نفسك لذة لا يعادلها شيء من لذات الدنيا كما قال الإمام أبو حنيفة لو يعلم الملوك ما نحن فيه من لذة العلم لحاربونا عليه بالسيوف وناهيك بلذة الأمر والولاية والأمر والنهي والابتهاج بالأشياء الموافقة للطبع والغرض ولذة الوجدان كما وقع لبعض الأعراب أنه ضاع له بعير فكان يقول إلا من يبشرني بوجدانه وهو له فقالوا له : فما حظك إذن من ذلك فقال لذة الوجدان ومثل ذلك لذة الولد ولذة محادثة الإخوان الصادقين قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه لولا محادثة الإخوان والتهجد عند السحر ما أحببت البقاء في هذه الدار ، وقس على ذلك سائر اللذات العقلية وإن كان فيها تفاوت ولها مراتب فهي لذات غير منكرة في الدنيا فيجب إثباتها في الآخرة لقوله تعالى : وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [ الإسراء : 21 ] وقوله تعالى وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [ فصلت : 31 ]