عبد الوهاب الشعراني
596
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
الوسط فالمواظبة على هذا الوسط هي المعبر عنها بالدقة والحسد وإليها الإشار بقوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] وأما الصراط الثاني فهو الأخروي الحسي وهو في الحقيقة صورة الصراط الأول وهو من طريق المسلمين إلى الجنة ثم لا يخفى أن كل من اعتاد المرور في الدنيا على صراط الإسلام هان عليه المرور على صراط الآخرة ومن لم يتعود ذلك في الدنيا صعب عليه وزلت قدمه وطال ندمه وهل هذا الصراط إلا مثال محسوس لذلك الصراط المعنوي وبالجملة فسرعة مرور الناس على صراط الآخرة وبطؤهم يكون على حسب سرعة مبادرتهم إلى مرضاة اللّه تعالى وبطئهم عنها قال : وما جاء من الكلاليب والخطاطيف فهو عبارة عن علائق الدنيا المتعلقات بالقلب فكما تجذب صاحبها إلى الدنيا كذلك تجذبه إلى الهاوية كما أن شوك السعدان والحسك يكون بمقدار ذنوب كل إنسان وخطاياه فكما كانت تؤذيه في دينه بالعكوف عليها فكذلك تؤذيه يوم القيامة بالمرور عليها وأما ما جاء في الحبو والزحف على الصراط إنما هو إشارة إلى تثاقل ظهور الناس بالمظالم والتبعات وأما الزالون والزالات فهم الناكبون في الدنيا عن الصراط المستقيم والدين القويم نسأل اللّه اللطف بنا أجمعين . وأما الميزان فأثبته جمهور أهل السنة وأنكرته المعتزلة قال الغزالي والقرطبي : ولا يكون الميزان في حق كل أحد لحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا يرفع لهم ميزان وإن كان المعنى من غير أن يكون دخولهم في حسابهم قالوا والمراد بالميزان هو الميزان الكلي الجامع لتفاصيل موازين جميع الخلائق فترتفع رفعة واحدة فترفع موازين جميع الخلائق كلها رفعة واحدة وكل أحد يشهد ميزانه قد رفع وأعماله مودعة في كفته إلى أن ينقضي حكم المحاسبات والموازنات . قال الشيخ محيي الدين : ويكون ميزان كل شخص بشاكلة ما كان الشخص عليه في دار الدنيا فإن اللّه تعالى قد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان وجعل كفتيه يمينه وشماله وجعل لسانه قائمة ذاته فهو لأي جانب مال ، قال تعالى : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) [ الرحمن : 9 ] يعني بالميل إلى المعاصي والوقوع فيها قال وقد قرن اللّه السعادة بالكفة اليمين والشقاوة بالكفة اليسار فالاعتدال سبب البقاء والانحراف سبب الهلاك ، ثم لا يخفى أن موازين الآخرة كلها تدرك بحاسة البصر كموازين أهل الدنيا ولكنها ممثلة لا محسوسة عكس الدنيا فهي كتمثل لأعمال سواء فإنها في الدنيا أعراض وفي الآخرة