عبد الوهاب الشعراني
518
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
بطريق المعاهدة وهو لا يعلم ما في علم اللّه تعالى ففيه خطر عظيم فإنه إن كان بقي عليه شيء من المخالفات فلا بد من نقضه ذلك العهد فينتظم في سلك من قال اللّه تعالى فيهم الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [ البقرة : 27 ] ولم يكن أحد أكمل معرفة بمقام التوبة من آدم عليه السلام حتى اعترف بذنبه ودعا ربه وما نقل أنه عاهد اللّه تعالى على أنه لا يعود كما اشترطه بعضهم في صحة التوبة فالناصح لنفسه من سلك طريق أبيه آدم عليه السلام فإن في العزم المصمم عند أهل الكشف ما لا يخفى من ادعاء القوة ومقاومة الأقدار الإلهية إلا أن يقصد بذلك أنه لا يعود إن وكل الأمر إليه استقلالا وذلك محال انتهى . فليتأمل ويحرر وقد وقع لبعض الأكابر من عباد بني إسرائيل أنه قال رب لو فرغتني لعبادتك ووكلتني إلى نفسي لأريتك من العبادة ما لم يفعله أحد من العبيد ، ففتح التوراة ذلك اليوم وأمر أن لا يدخل عليه أحد يشغله عن ربه فما جاء نصف العصر حتى وقع في الخطيئة . وما قص اللّه تعالى علينا وقائع الأكابر إلا لنتأدب بما أدبهم اللّه به فعلم أن العبد لم يكلف إلا بوزن أعماله البارزة على يديه على وفق الكتاب والسنة ويعطي كل فعل حظه فما كان من طاعة فليشكر اللّه وما كان من معصية فليستغفر اللّه وما كان من مباح فهو فيه بحسب مقامه فإن كان عارفا قلب المباح بالنية إلى شيء محمود وفي بعض الهواتف الربانية ليس للعبد أن يشغل عليه بالاختيار لفعل شيء أو تركه في المستقبل وإنما عليه أن يعطي ما أبرزناه على يديه حقه فإن كان طاعة حمدنا على قسمتها له واستغفرنا من تقصيره فيها وإن كان معصية حمدنا على تقديرنا عليه واستغفرنا من ارتكابه مخالفة أمرنا وإن كان غفلة وسهوا فعل ما هو اللائق بمقامه انتهى . وقوله ليس للعبد أن يشغل قلبه بالاختيار لفعل شيء أو تركه في المستقبل لا ينافي مجاهدة النفس ورد خواطرها لأن ذلك في الحالة الراهنة لا في مستقبل الزمان لأنها وجدت وكذلك لا ينافي الاستخارة لفعل شيء في المستقبل لأن الاستخارة مأمور بها وقس على ذلك كل مأمور واللّه أعلم . وقال الشيخ محيي الدين في « الفتوحات » بعد كلام طويل : وبالجملة فلا يخلو العبد الذي يعاهد ربه على ترك شيء أو فعله في المستقبل إما أن يكون ممن أطلعه اللّه تعالى على أنه لا يقع منه زلة في المستقبل أم لا فإن كان ممن أعلمه الحق تعالى بذلك على لسان ملك الإلهام الصحيح فلا فائدة للمعاهدة على عزم أن لا يعود بعد علمه أنه لا يعود وإن كان لم يطلعه اللّه تعالى على