عبد الوهاب الشعراني

517

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

كان عدم إقلاعك لقنوط من رحمة اللّه تعالى وعفوه عنك لشدة الذنب الذي سبق منك أو لاستحضار عظمة من عصيت فخفف عقاب ربك على هذا فإنه لا يقنط من رحمة اللّه إلا القوم الخاسرون واستحضر سعة رحمة اللّه تعالى التي لا يحيط بها إلا هو لترجع عن قنوطك فإن جانب رحمته تعالى لعصاة الموحدين أرجح من جانب عقوبته لهم هذا آخر كلام ابن السبكي رحمه اللّه في مبحث التوبة . واعلم يا أخي أن التوبة من أعظم ما منّ اللّه تعالى به على عباده فإن لم يقع لنا توبة فالواجب علينا التوبة من ترك التوبة فإن لم يصح لنا التوبة من ترك التوبة وجب علينا التوبة من الإصرار على ترك التوبة وهكذا أبدا ما عشنا وما ثم لنا داء بلا دواء أبدا فإن لم يصح لنا شيء من ذلك كله فللّه رحمة خاصة بمن بها على من مات مصرّا من أهل الإسلام . واعلم أن حقيقة التوبة هي الرجوع إلى شهود أن اللّه تعالى هو المقدر على العبد ذلك الذنب قبل أن يخلق ومعنى حديث « إذا أذنب العبد فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به يقول اللّه عز وجل له في الثانية أو الثالثة افعل ما شئت فقد غفرت لك » أي افعل ما شئت من المعاصي واندم واستغفرني أغفر لك فلا يكفيه العلم بأن له ربا يغفر الذنب من غير ندم فافهم . قال الشيخ محيي الدين في الباب الرابع والسبعين من « الفتوحات » ومن أعظم دليل على وجوب التوبة فورا قوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ] فأمر اللّه تعالى عباده بالتوبة ثم لقنهم الحجة إذا خالفوا بإعلامهم بمضمون قوله تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 118 ] ليتوبوا ليقولوا إذا سئلوا عن ذلك يوم القيامة لو تبت علينا يا ربنا لتبنا مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) [ الانفطار : 6 ] ليقول غرني كرمك يا رب فهذا من باب تعليم الكريم الخصم الحجة ليحاجه بها إذا كان محبوبا وليس هذا التعليم إلا للسعداء خاصة فافهم . قال واعلم أن توبة اللّه على العبد مقطوع بها وتوبة العبد في محل الإمكان لما فيها من العلل وعدم العلم باستيفاء حدودها وشروطها والجهل بعلم اللّه تعالى فيها فكل عارف يسأل ربه أن يتوب عليه وحظه هو من التوبة الاعتراف والسؤال لا غير فمعنى قوله وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 31 ] أي ارجعوا إلى الاعتراف والدعاء كما فعل أبوكم آدم عليه السلام تعليما لكم بالفعل والصورة لا بالمعنى لأنه لم يكن قربه من الشجرة عن ميل ولا انتهاك حرمة وإنما كان محض نفوذ أقدار لا غير . قال وأما الرجوع إلى اللّه تعالى