عبد الوهاب الشعراني
506
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
عليه فليمتحن نفسه فيما وعده اللّه به من مضاعفة الصدقة مثلا إلى سبعين ضعفا وأكثر ، فإن وجدها لا تتوقف في إعطاء أحد من المحتاجين شيئا ولو أنفقت جميع ما بيدها فليعلم أن إيمانه بذلك كامل فيجب عليه الشكر للّه عز وجل وإن توقفت عن العطاء وجود قوت يومها وليلتها فليعلم أنه ناقص الإيمان بما وعده اللّه تعالى ولو أن يهوديا جلس بشكارة ذهب وقال كل من أعطى فقيرا نصفا أعطيته دينارا لتزاحم الناس على العطاء وأعطوا الفقراء كل ما بأيديهم من الفضة نسأل اللّه تعالى اللطف . ( وسمعته ) : يقول أيضا في قوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) [ الذاريات : 55 ] إذا رأيت يا أخي من يدعي كمال الإيمان ويذكره الناس فلا تنفعه الذكرى فاعلم أنه في ذلك الحال ناقص الإيمان بمرة فإن شهادة اللّه حقّ وهو صادق وقد أعلمنا أن المؤمن ينتفع بالذكرى ، وقد رأينا هذا لم ينتفع بالذكرى فلا بد أن نقول أن إيمانه توارى عنه تصديقا للّه ولا معنى للنفع إلا وجود العمل منه بالجملة ، فلا نرى أحدا يتوقف عن العمل بما أمر به إلا وفي نفسه احتمال من قام له في شيء أخبره الصادق به احتمال فليس هو بكامل الإيمان مع أنك لو سألته لقال لا أشك في صدق ما أخبرنا اللّه به ورسوله . فتنبه يا أخي لنفسك فإنك الآن تأتي اللّه تعالى وأنت كامل الإيمان من غير كثير عمل خير لك من أن تأتيه بأعمال الثقلين وفي إيمانك ثلمة ونقص فعلم كما قاله الشيخ في الباب التاسع والخمسين ومائة : أن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه وكل من آمن عن دليل فلا وثوق بإيمانه كما ذكرناه في مقدمة هذا الكتاب وذلك لأن صاحب الدليل معرض للشبه القادحة في إيمانه إذ هو إيمان نظري لا ضروري والنظري صاحبه أسير لدليل فكل شيء ترجح عنده في وقت وترك ما كان عليه قبل ذلك ولهذا لا يشترط في وجود الرسالة إقامة الدليل للمرسل إليه ولذلك لم نجد مع وجود الدليل وقوع الإيمان من كل أحد بل من بعضهم فقط فلو كان لنفس الدليل لنعم ونراه أيضا يوجد ممن لم ير دليلا فدل على أن الإيمان إنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده لا بدليل ، ولذلك قلنا لا يشترط فيه وجود الدليل وقد ذكر نحو ذلك الشيخ محيي الدين في الباب التاسع والخمسين ومائة قال : قد نبهتك على سر غامض لا يعرفه كل أحد فاحتفظ به واللّه تعالى أعلم .