عبد الوهاب الشعراني
484
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
ورثة الأنبياء ؟ أم هو وارث لذلك المجتهد فقط ؟ ( فالجواب ) : هو وارث لذلك العالم فقط وهو مع ذلك معدود من أتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أيضا لأن ذلك من جملة شرعه وكلامنا فيما لم يكن فيه نص عن الشارع ، أما ما فيه نص فلا يدخله الاجتهاد أبدا كما إذا نص الشارع على تحريم شيء أو وجوبه أو استحبابه أو كراهيته فلا سبيل لأحد إلى مخالفته إنما هو السمع والطاعة والتسليم فلو قدر أن مجتهدا خالف النص باجتهاده حرم علينا العمل بقوله وتأمل قوله صلى اللّه عليه وسلم ، لما خطب في قصة تزويج علي على فاطمة ابنة أبي جهل : « إن فاطمة بضعة مني يسوءني ما يسوءها ويسرني ما يسرها وأنه ليس لي تحريم ما أحل اللّه ولا تحليل ما حرم اللّه ولكن إن أراد ابن أبي طالب ذلك يطلق ابنتي فواللّه ما تجتمع بنت عدو اللّه مع بنت رسول اللّه تحت رجل واحد أبدا » . فما طلب صلى اللّه عليه وسلم ، مع معرفته بهذا الوجه الإلهي إلا إبقاء ما هو محرم على تحريمه وما محلل على تحليله فلم يحرم على علي نكاح ابنه أبي جهل إذا كان ذلك حلالا له . وإنما قال : إن أراد ابن أبي طالب ذلك إلى آخره . فرجع ابن أبي طالب عن ذلك فلو أنه كان لأحد من المجتهدين أن يحرم ما أحل باجتهاد لكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أولى بذلك وما فعل مع أنه له الشكف الأتم والحكم الأعم صلى اللّه عليه وسلم ، ذكره الشيخ في الباب الثاني والمائتين من « الفتوحات » . ( فإن قلت ) : فمن المراد بحديث : « العلماء ورثة الأنبياء » ؟ هل هم الأولياء أم الفقهاء ؟ ( فالجواب ) : المراد بهم العلماء العاملون لجمعهم في الإرث بين القال والحال كما كان عليه علماء السلف في الزمن الماضي ، فإن حقيقة الصوفية هم علماء عملوا بعلمهم وتبعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، في الأخلاق فلمّا تخلف غالب الناس عن العمل سماهم الناس فقهاء لا صوفية وإنما قال : ورثة الأنبياء ولم يقل : ورثة نبي خاص لأن كل عالم على قدم نبي ممن تقدم محمدا ومن ورث محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، نال الحظ الأوفر من إرث جميع الأنبياء ، ودليل ما قلناه قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : 32 ] . فإنه ذكر أن الإرث على قسمين وزادهم قسما ثالثا وهو الظالم لنفسه والمراد به من ظلم نفسه لمصلحة دينه وطلبا للثواب فحملها مشاق التكاليف التي لم يوجبها اللّه تعالى عليه حتى يسعد بها في الآخرة .