عبد الوهاب الشعراني

320

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

وبركتك . فالجواب أن أكابر الأولياء فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا ينقص كمالهم أخذ الدنيا وإمساكها ، فإن كان أيوب عليه السلام جمع الذهب لما هو عليه من ظاهر الحال فهو صحيح مع أنه قانع بلا شك لأن القناعة عند أهل اللّه تعالى ليست هي الاكتفاء بالموجود من غير طلب مزيد وإن كان فعل ذلك ليقتدي به قومه فما فعل إلا ما هو أولى بالقربة إلى اللّه تعالى من تركه لا سيما وأيوب عليه السلام ، ممن هدى اللّه تعالى وممن أمر اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يقتدي بهداهم وقال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] فقد رجعت القناعة بهذا التقرير إلى بابها في لسان العرب وهي المسألة فإن القانع هو السائل لكن من اللّه لا من غيره قال تعالى في الظالمين يوم القيامة مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ [ إبراهيم : 43 ] أي رافعين رؤوسهم إلى اللّه تعالى يسألونه العفو والمغفرة عن جرائمهم . فعلم أن من سأل غير ربه فهو ظالم إلا أن يرى أن ذلك الغير باب من أبواب اللّه تعالى من غير وقوف معه ، فإن لم يكن كذلك خيف عليه الحرمان والخسران ولا يخفى أن السائل موصوف بالركون إلى من سأله واللّه تعالى يقول : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [ هود : 113 ] ومن ركن إلى نفسه أو إلى جنسه فقد ركن إلى ظالم لقوله تعالى : إنه أي الإنسان كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] . وقد قال الشيخ محيي الدين في الباب الرابع والتسعين : اعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكمل الأولياء ما أمسكوا الدنيا إلا باطلاع عرفاني أنتج لهم ما عشقهم في الإمساك من نفع الأنفس بالأقوات التي قدر اللّه تعالى وصولها لأصحابها في أوقات مخصوصة فما أمسكوا الدنيا عن بخل ولا ضعف يقين حاشاهم من ذلك . قال : وانظر إلى أيوب عليه السلام ، كيف أعطته المعرفة المذكورة أنه صار يحثو في ثوبه من الذهب لما أمطر عليه وهو يقول : « لا غنى لي عن بركتك » انتهى . وأما الجواب عن يونس عليه السلام فما حكاه اللّه تعالى عنه بقوله : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ الأنبياء : 87 ] الآية . فالمراد بقوله : أن لن نقدر عليه أن يونس عليه السلام ظن أن اللّه تعالى لا يضيق عليه ، لما عهده من سعة رحمته من باب قوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [ الطلاق : 7 ] أي : ضيق عليه ، وإنما آخذه اللّه تعالى لكونه قصر ذلك الاتساع الإلهي على نفسه فقط ولم ينظر ذلك في حق غيره من أمته فلما ظن أن رحمة اللّه