عبد الوهاب الشعراني

321

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

تعالى لا تنالهم أثر غضبه ظلمة في ظاهره لعلو منصبه وصفاء قلبه فأسكن في ظلمة بطن الحوت ما شاء اللّه تعالى . لينبهه تعالى على حالته حين كان جنينا في بطن أمه من كان يدبره فيه وهل كان في ذلك الموطن يتصور منه أن يغضب أو يغاضب بل كان في كنف اللّه عزّ وجلّ لا يعرف سوى ربه فرده تعالى إلى هذه الحالة في بطن الحوت تعليما له بالفعل ، لا بالقول فنادى في الظلمات أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] ، أي : سبحانك يا رب تفعل ما تريد وتبسط رحمتك على من تشاء وهذا كالاعتذار عن أمته وقوله : كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] أي : أثر غضبي رجع على ما أنت ظلمتني لأن علمك ما تعلق إلا على هذا الحال ثم لما زالت ظلمة المغاضبة ظلمة تليق بمقام الأنبياء وانتشر النور اللائق بكمال النبوة في قلبه استجاب له ربه فنجاه من الغم فقذفه الحوت من بطنه مولودا على الفطرة السليمة فلم يولد أحد من بني آدم ولادتين سوى يونس عليه الصلاة والسلام ، فخرج ضعيفا كالطفل كما قال تعالى : وَهُوَ سَقِيمٌ [ الصافات : 145 ] ورباه تعالى باليقطين وذلك لأن ورقه ناعم ولا ينزل عليه ذباب إذ الطفل لضعفه لا يستطيع أن يرد الذباب عن نفسه فغطاه اللّه تعالى بهذه الشجرة التي من خاصيتها أن لا يقربها ذباب مع نعومة ورقها فإنه مثل القطن في النعومة بخلاف ورق الأشجار كلها فإن فيه الخشونة ذكره الشيخ في الباب الثالث والثلاثين من « الفتوحات » . وأما الجواب عن السيد موسى عليه الصلاة والسلام ، في قوله : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] كيف خاف عليه السلام وهو كامل مع أن الواحد من الأولياء لا يخاف أحدا إلا اللّه تعالى . فالجواب : مقام الخوف أولى من وجوه منها أن الكامل يرى من نفسه الضعف بخلاف صاحب الحال من الأولياء ، ومنها : أنه يجب عليه الكامل الفرار من شيء يؤذي بدنه أو يلحقه بالعدم وإن خالف ذلك أثم ، ومنها : أن في الخوف عدم تعطيل الأسباب فكان من كمال موسى فراره ويحتمل أن خوفه منهم إنما هو خوف من اللّه تعالى بالأصالة أن يسلطهم عليه فرجع خوفه منهم إلى خوفه من اللّه تعالى وذلك محمود واللّه أعلم . وأما الجواب عن السيد سليمان عليه الصلاة والسلام ، في قوله تعالى : فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ ص : 33 ] فهو أن تعلم يا أخي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لا توصف بفعل سفه ولا إتلاف