عبد الوهاب الشعراني

319

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] فافهم . وكان الشيخ أبو مدين يقول : قول بعض العارفين ما فعلت الشيء الفلاني إلا بإذن من اللّه تعالى مراده بالإذن هنا الإرادة الأزلية انتهى . فعلم أن في نداء الحق تعالى على آدم بالمعصية والغواية نفعا عظيما لذريته المحجوبين الذي يتعدون حدود اللّه فيتأسون بأبيهم في الندم والاستغفار والاعتراف فلم تكن تلك المعصية مقصودة لآدم بالأصالة كما هي ذنوب الغاوين من ذريته وإنما بكى آدم عليه السلام مع إذن الحق تعالى له في أكله من الشجرة سرا على ما مر في كلام أبي مدين تشريعا لذريته فكان بكاؤه صوريا . ( فإن قلت ) : فلم لم يفتح آدم عليه السلام ، قبضة السعادة بالطاعة الصرف دون وقوعه في المعصية ثم توبته منها ؟ ( فالجواب ) : إنما كان الأمر بعد وقوع المعصية ليظهر آدم بذلك سعة فضل اللّه ورحمته وحلمه على عباده الذين سبق في علمه أنهم يقعون في معاصيه تعالى ، ولو أنه فتح قبضة السعادة بالطاعة المحضة لتعطلت حضرات كثير من الأسماء الإلهية المتعلقة بالعالم المخالف ، إذ الطائع لا يحتاج إلى مغفرة ولا رحمة ولا حلم لعدم من يغفر له أو يرحم أو يحلم عليه ويؤيد ذلك حديث لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون اللّه تعالى فيغفر لهم فاعلم ذلك . وأما الجواب عن نوح عليه السلام في قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] فإنما دعا عليهم بذلك رحمة بهم خوف أن يشتد عليهم غضب اللّه تعالى أكثر مما كانوا فيه وقد أمرنا نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يقول أحدنا إذا خاف من وقوعه في فتنة اللهم توفني إذا كانت الوفاة خيرا لي فلم يكن دعاؤه على قومه من غضب نفسي حاشا الأنبياء من ذلك . وقال الشيخ محيي الدين : ليست دعوة نوح التي يعتذر بها يوم القيامة قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ إنما هي قوله : وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [ نوح : 27 ] لكونه تحكم على اللّه فيما لم يعرفه ولم يزل الحق يربي أنبياءه بأدب بعد أدب قال صلى اللّه عليه وسلم لما نزل قوله تعالى : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [ القلم : 48 ] أدّبني ربي فأحسن تأديبي انتهى . وأما الجواب عن السيد أيوب عليه السلام في جمعه الذهب في ثوبه لما أمطر اللّه تعالى عليه ، رجلان من جراد من ذهب وقال له ربه ألم أكن أغنيتك عن هذا فقال : بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن خيرك