عبد الوهاب الشعراني
318
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
لك مثلا تعلم به يقينا تنزيه آدم عليه السلام من المعصية المحضة كما يقع فيها غيره وتقوم ببعض واجب حق أبيك عليه الصلاة والسلام فأقول وباللّه التوفيق : اعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لما قضى في سابق علمه بالسعادة لقوم والشقاوة لقوم ولم يبدل ذلك القول لديه فلا بد من فاتح يفتح القبضتين فكان إبليس فاتحا لقبضة الشقاوة وآدم عليه السلام فاتحا لقبضة السعادة فإبليس شقي وآدم عليه السلام سعيد هو وذريته الذين اقتفوا آثاره في التوبة والاعتراف فإن آدم مع علمه بأن ما وقع فيه كان بقضاء وقدر ، اعترف بذنبه وقال : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] وأضاف الذنب إلى نفسه ليعلم بنيه كيف يخرجون إذا وقعوا في معصية عن الإثم ولا يصرون على المعاصي من غير توبة ولا اعتراف كما وقع فيها إبليس وجنوده من الإنس والجن فكان حكم آدم عليه السلام ، فيما وقع له مع الحق جل وعلا حكم عبد قال الحق تعالى له فيما بينه وبينه : إني أريد أن أظهر في هذا الوجود ما كان مكنونا في علمي وبحكم أسمائي في أهل حضراتها من السعداء والأشقياء وتظهر حجتي على عبادي قبل أن أخرجهم من جواري فإن علمي سبق بذلك وأنا كريم ومن شأن الكريم أن لا يخرج أحدا من جواره إلا بحجة ظاهرة تقام عليه بين المحجوبين عن سماع ما قلته لك من سري ، فإذا قلت لك : لا تقرب هذه الشجرة فاعلم أني أذنت لك في القرب منها فاقرب لأقيم عليك الحجة وأخرجك إلى دار خلافتك وترقيك بالأعمال فإن هذه الدار التي أنت فيها لا تكليف فيها ولا ترقي لأحد بأعماله كما هي أعمال أهل الجنة التي يؤول أمر المؤمنين إليها بعد يوم القيامة سواء فلا يسع العبد صاحب هذا السر إلا أن يبادر إلى ما أذن له فيه سيده سرا من وراء المحجوبين ولم يكن ذلك معصية إلا عند المحجوبين عن سماع ذلك السر الذي أسره الحق لآدم عليه السلام ، وأما الحاضرون السامعون ذلك فليس ذلك بمعصية عندهم ، فإن الإذن من الحق في فعل شيء والأمر به واحد في تلك الحضرة كما صرح به الشيخ في الباب الثالث والسبعين في الجواب الثامن والثلاثين من أسئلة الحكيم الترمذي وإنما فرق بينهما في لسان ظاهر الشرع فقط فإن الأمر غير الإرادة في أحكام الشريعة إذ الأمر بخلاف الإرادة اكتفى الحق تعالى فيها بإلجاء العبد في الباطن إلى وقوع ذلك الفعل من غير أن يأمره بذلك إِنَّ اللَّهَ لا