عبد الوهاب الشعراني
408
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
يتنبه أحد لهذه الأبوة ولا للوفاء بحقها وما أشبه هذه الذكرى من اللّه تعالى بقوله لمريم : يا أُخْتَ هارُونَ [ مريم : 28 ] ، وأين زمن هارون من مريم . وأما وجوب الكف عن الخوض في حكم أبوي النبي صلى اللّه عليه وسلم في الآخرة ، فللشيخ جلال الدين السيوطي رحمه اللّه في هذه المسألة ست مؤلفات ، وقد طالعتها كلها فرأيتها ترجع إلى أن الأدب مع رسوله صلى اللّه عليه وسلم واجب ، وأن من آذاه فقد آذى اللّه وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ( 57 ) [ الأحزاب : 57 ] . وفي القرآن العظيم : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . ومن طالع فيما نقله أهل السير من كلام عبد المطلب لما أراد نحر عبد اللّه في قصة حفر بئر زمزم شهد له بالتوحيد ، وصاحب التوحيد سعيد بأي وجه كان توحيده كما سيأتي قريبا في حكم أهل الفترات . قال الجلال السيوطي : وقد ورد في الحديث « أن اللّه تعالى أحيا أبويه صلى اللّه عليه وسلم حتى آمنا به » وعلى ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وأبو القاسم ابن عساكر وأبو حفص بن شاهين والسهيلي والقرطبي ومحب الدين الطبري وابن المنير وابن سيد الناس والصفدي وابن ناصر الدمشقي وغيرهم رضي اللّه عنهم أجمعين ، ولفظ السهيلي بعد إيراد حديث الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : « سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عن أبويه فقال : ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما وإني القائم يومئذ المقام المحمود » . قال : ففي هذا الحديث تلويح بأنه صلى اللّه عليه وسلم ، يشفع فيهما في ذلك المقام ليوقف للطاعة عند الامتحان الذي يقع يوم القيامة كما ورد في عدة أحاديث قال المحب الطبري : واللّه تعالى قادر على أن يحيي أبويه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى يؤمنا به ثم يموتا ويكون ذلك مما أكرم اللّه تعالى به سيد الأولين والآخرين . انتهى . وقال القرطبي : ليس إحياؤهما وإيمانهما به صلى اللّه عليه وسلم بممتنع لا عقلا ولا شرعا ، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل حتى أخبر بقاتله انتهى . ( قلت ) : وعلى القول بصحة إحيائهما بعد موتهما فيكون ذلك الإحياء مثل إحياء من قال لهم اللّه موتوا ثم أحياهم أي : إلى تكملة آجالهم وعلى ذلك فما آمن أبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إلا في زمن تكليفهما فكأنهما آمنا به قبل أن يموتا كما قال بعض المحققين في سجدة أهل الأعراف من أن ميزانهم ترجح بتلك السجدة يوم القيامة ثم يدخلون بها الجنة فلو لا أن هذه السجدة نفعتهم وسعدوا بها لم يدخلوا الجنة مع أنها ما وقعت إلا بعد موت فيوم القيامة برزخي له وجه