عبد الوهاب الشعراني
94
الجوهر المصون والسر المرقوم
إلا باللّه خرجت من كنز تحت العرش ) « 1 » . فما هو الكنز وما يتضمن من الأسرار المكنوزة فيه سوى لا حول ولا قوة إلا باللّه ؟ وهو علم شريف خاص بمن كان الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه في التأييد ومنها علم الضم ومنه يعلم صحة ضم المعاني بعضها إلى بعض في حضرة الكلمات وهل ذلك واقع أوليس واقع لها ضم في أنفسها ؟ وإذا لم يكن لها ضم قبل ذلك لاستحالة الأمر في نفسه فلا يقبل الانضمام أو بإرادة اللّه تعالى ومنه يعلم الفرق بين كتابة المخلوق وكتابة الخالق مع أنه تعالى هو الخالق لكتابة المخلوق وهو علم عجيب يراه العارفون ويشاهدونه وقد خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي يده كتابان مطويان قابض بكل يد على كتاب فقال لأصحابه أتدرون ما هذان الكتابان فقالوا اللّه ورسوله أعلم قال إن في الكتاب الذي بيميني أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم من منذ خلقهم اللّه إلى يوم القيامة وأما الكتاب الذي في يد الأخرى فقيد أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم « 2 » . ومعلوم أن المخلوق لو اخذ يكتب هذه الأسماء على ما هي عليه في هذين الكتابين ما قام بذلك كل ورق في العالم فمن هنا يعلم الفرق بين كتابة اللّه تعالى وبين كتابة المخلوقين وهذا من باب إيراد الكبير على الصغير من غير تصغير الكبير وتكبير الصغير وغير ذلك مما تخيله العقول فإن الأمر الذي يخيله العقل لا يستحيل بالنسبة إلى الحق إذ الحق تعالى قادر على المحال العقلي كإدخال الجمل في سم الخياط مع بقاء هذا على صغره وهذا على كبره ولكن هل يقع أو لا يقع ذلك أمر آخر . فهذه أمهات علوم هذه السورة واللّه سبحانه وتعالى أعلم . .
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه برقم 2704 والبخاري في صحيحه برقم 6046 بلفظ عن أبي موسى الأشعري قال أخذ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في عقبة أو قال في ثنية قال فلما علا عليها رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا اللّه واللّه أكبر قال ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على بغلته قال فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ثم قال يا أبا موسى أو يا عبد اللّه ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة قلت بلى قال لا حول ولا قوة إلا باللّه . . ( 2 ) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 / 187 وقال رواه الطبراني من حديث ابن مجاهد عن أبيه ولم أعرف ابن مجاهد وبقية رجاله رجال الصحيح .