عبد الوهاب الشعراني

95

الجوهر المصون والسر المرقوم

ومما تنتجه الخلوة المباركة من علوم سورة الرعد علم أسرار الرسالة ولما كان بعض الرسل لم يتّبع على ما أرسل به ولا شك أن النخلة فرع النواة والضوء من سر الظلام والماء من الغمام والحركة الفلكية لا تقتضى البعد ولا القرب قال اللّه تعالى : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » . فالدنيا كلها يوم كالسنة في نفسها أو اليوم المعلوم في ذاته كل يوم وليلة فليل الدنيا كله شفقه إلى غسقه « 2 » إلى ثلث الماضي إلى نصفه الأدنى إلى ثلثه الباقي إلى فجره الأول إلى فجره البادى فيه نبوات أنبياء معلومين ورسالات رسل مخصوصين فمن جاء منهم في مثل الفحمة السوداء أو وقت انتشار من الظلماء لم يؤمن معه من قومه إلا القليل ومن جاء في الظلمة التي بين الفجرين والبهمة التي فصلت الضوء إلى ضوءين لم يؤمن معه أحد من قومه ولا يصدقه إلا الرهط من أهله وتلك أداة الظلم والدهم وكذلك نهار الدنيا كلها من مطلع شمسه إلى انتشار ضوئها إلى ضحائه الظاهر إلى عموده القائم إلى زواله المائل إلى إبراده النازل إلى عصره الفاضل فيه أيضا نبوات أنبياء ورسالات رسل فمن جاء في النهار وكان معه السواد الأعظم والمدد الأوفر والجمع الأبهر والملأ الأشهر وذلك بأن النهار وقت انشراح وانتشار وتحرك ومدار ومنها علم العلوم التي يختص بها الإنسان ولا يشعر بها عند ظهور السبب وكبر السن ومنه يعلم أن الإنسان كلما كبر قويت حياته الباطنة وبدت عليه نشأة الدار الآخرة وكثر نور قلبه حتى إن ركعة من ركعاته في آخر عمره تعدل عبادته طول عمره وهو علم شريف ومنها علم الإجمال والتفصيل ومنه يعلم الجواب عن قول بعضهم إن الحق تعالى لا يتعلق علمه إلا بالكليات دون الجزئيات مع أنها في نفسها غير متناهية ولا يدخل الجهل في شئ من علمه تعالى قلت ومنه يعلم أيضا علم غريب برزخ بين الإجمال والتفصيل لا يعلمه إلا الأكابر من العلماء باللّه تعالى ومنها علم حضرات الأجور والمستحقين لها وكيف استحقوها مع

--> ( 1 ) سورة يس آية : 40 . ( 2 ) غسقه إذا غاب الشفق لسان العرب ج 10 ص 288 .