عبد الوهاب الشعراني
169
البحر المورود في المواثيق والعهود
التدقيق إن شاء اللّه تعالى إذ الميزان إنما توضع للخلائق ليظهر لهم تقصيرهم في حقوق اللّه وحقوق العباد وصاحب هذا المشهد قد اعترف بذلك من هذه الدار فأكثر الناس شبائك في الآخرة وتبعات المتورعون في زعمهم والمتوسوسون الذين يرون صحة عبادتهم وأحوالهم ويقولون نحن أكثر الناس احتياطا ، واللّه غفور رحيم . أخذ علينا العهود أن نقرض كل من استقرضنا قوت يومه من الفقراء والمحترفين ثم لا نجعل ذلك ديدنا فندخل الفقير والمحترف في ثقل المنة وإنما يكون القرض له في وقت الاضطرار وذلك انما هو في بعض الأوقات فإن خير اللّه فائض على عباده في أغلب أوقاتهم وإنما يضيق عليهم في بعض الأوقات تأديبا لهم فإن العبد إذا اضطر عظم نعمة اللّه وتلقاها بكلتا يديه وإذا وسع اللّه تعالى عليه استهان بالنعمة وجهل مقدارها فافهم ، فلا يقع في الوجود غلاء إلا عند استهانتهم بالقوت ولا يقع لهم سلب نعمة من مال أو علم أو صلاح إلا بعد إخلالهم بأدبها . فعلم أنه إذا جاءنا فقير يطلب شيئا وهو غير مضطر منعناه وأمرناه بالصبر فإنه أقوى في استعداده ولا نرق له كل الرقة فقد أخل في ادعائه مقام الرحمة على العباد فوق رحمة من ابتلاهم فتخطى الطريق المستقيم . وقد طلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون رزقه كفافا وذلك ليكون العبد دائما متوجها إلى اللّه بقلبه محتاجا إليه لا يوصف بالغنى عنه تعالى في ساعة من ليل أو نهار بخلاف من وسع اللّه عليه فإن قلبه يكون معرضا عن ربه في أكثر أوقاته لحجابه بغناه بالأسباب عن مسببها ، قال تعالى : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ