عبد الوهاب الشعراني

170

البحر المورود في المواثيق والعهود

لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فافهم ، فالحق تعالى أرحم بعباده من والدتهم ومن رحمته بهم عدم تحنين قلوب عباده عليهم بالعطاء والصدقة لأنه لشدة اعتنائه بهم أراد أن لا يكون لأحد من الخلق عليهم منة . وقد رأيت مرة في واقعة أن القيامة قامت وجماعات كثيرة من الفقراء واقفون حفاة عراة متجردين من أعمالهم الصالحة وهي عنهم بعيدة كالجبال الرواسي فقلت ما بال هؤلاء ؟ فقال لي شخص منهم نحن قوم من الفقراء كنا نقبل من الناس الصدقات نأكلها ونتقوى بها على العبادات ، فنادى المنادى ألا إن كل عمل نشأ من لقمة فهو لصاحب تلك اللقمة ، فجاء أصحاب اللقم إلى الموقف وهم مفاليس من الأعمال فطلبوا أجر إحسانهم علينا فتحكموا في أعمالنا ولم يبقوا لنا منها شيئا ، فلا ينبغي لفقير أن يركن إلى إحسان الناس ، قال بعضهم إلا إن صار من الموحدين الذين لا يشهدون منعما في الوجود إلا اللّه وحده ، والخلق كالحمير الذين يحملون أهدية إليك فأول ما يشهد النعمة تضيفها إلى خالقها لا إلى حاملها فإذا صار كذلك خلص ان شاء اللّه تعالى من منة المحسنين اليه في الدنيا والآخرة وفيه نظر ، فاعلم ذلك وتدبره واللّه غنى حميد . أخذ علينا العهود إذا وسع اللّه علينا الدنيا ان لا نوسع بها على أنفسنا وعيالنا وإنما نجعل التوسع في الصرف على الفقراء والمحاويج ولا نزيد نفوسنا على ما كنا عليه قبل الغنى من المأكل والملبس والمركب والمنكح فنأكل الخبز ولو حافا ونركب الحمار ولو عريا ونلبس الجبة ولو غليظة وننكح النساء ولو جارية سوداء ونرضى بذلك عن ربنا هذا شأنننا ما دام لنا