عبد الوهاب الشعراني

14

البحر المورود في المواثيق والعهود

وهذا يقع فيه كثير من الناس فيقولون نحن أقل الناس ، ثم يفاضلون بين الأشياخ فيدعون التواضع بالمقال ويتبرون منه بالحال ، واللّه غفور رحيم . اخذ علينا العهود ان نمتحن كل من طلب منا الصحبة الخاصة ولا نأخذ عليه عهدا ولا نطلعه على سر حتى نمتحنه بالأمور التي تفصح عن شدة محبته لنا وسماعه منا ، ليأخذ آداب الطريق منا وهو على يقين لا شك فيه ، ويأتي البيوت من أبوابها ، وكان لسان حالنا يقول من كان منا فلا يأخذ عن أحد الا عنا ، فإذا امتحناه وظهر لنا صدقه كشفا أو بالقرائن أجبناه للصحبة وأخذنا عليه العهد ، وصورة عهدنا ان نأمره بان يشكر اللّه عند وقوع طاعته ويستغفره عند وقوع معصيته ، قال بعضهم : ولا ينبغي ان يؤخذ العهد على عبد بأنه لا يقع في معصية ولا يخل بطاعة ، لأن ذلك الوفاء ليس بمقدور البشر فافهم . ثم من أقل علامات محبته لنا ان لا يقدم علينا في المحبة اهلا ولا زوجة ولا ولدا ولا مالا ولا غير ذلك من سائر الأمور المحبوبة للنفوس الغوية ، إذ التوحيد مطلوب وكان لسان حالنا يقول اختر لنفسك اما نحن واما زوجتك واما مالك ، فان اختارنا وجد القصد الينا فهو صادق ، وان رجح بباطنه زوجة أو ولدا فهو كاذب ، ولكن قد صار من معارفنا لا من أصحابنا وليعلم ان جميع ما قدمه هذا المريد علينا وعلى محبتنا لا يساوى جناح بعوضة إذ هو معدود من الدنيا ، ومن قدم الدنيا على الآخرة وعلى محبتنا فقد تعوق عن المسير وانعكس إلى وراء ، وتأمل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه » تعرف ان الحق تعالى أوقف صدق محبته على ترك الدنيا ومفهوم ذلك ان