عبد الوهاب الشعراني
15
البحر المورود في المواثيق والعهود
من لم يزهد في الدنيا لا يحبه اللّه رجح محبتها على محبة ربه عز وجل وكان لسان حاله يقول ليس لي حاجة بمحبة الحق تعالى نسأل اللّه العافية ، ولما علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن لمحبة الناصح مدخلا عظيما في حصول الهداية والانقياد بسرعة دون بطء قال : « لا يؤمن أحدكم - يعنى لا يصدقني التصديق الكامل - حنى أكون أحب اليه من أهله وولده والناس أجمعين » . ومعلوم ان جميع الدعاة إلى اللّه تعالى نواب للأنبياء في تبليغ الأحكام وبيان الطريق الموصلة إلى دخول حضرة اللّه عز وجل في الدنيا بالقلوب وفي الآخرة بالأجسام فللنواب ما للأصول من تلك المحبة بحكم الإرث ليحصل للمريد كمال الانقياد ويعتقد في شيخه انه اشفق عليه من نفسه ويرجح كلما رجحه شيخه وامره بتقديمه من أعمال الآخرة فإن المريد ما دام يرجح اعمال الدنيا على الآخرة بقلبه ويجعلها شغله أول ما يقوم من نومه لا يجئ منه شئ ولا يقدر شيخه يبنى على أساسه طوبة واحدة فتقديم أعمال الآخرة أول البناء والسلام ، ومن كلام سيدي مدين رضى اللّه عنه : ليس للقلب الا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها وإذا كان الحق تعالى مع وسعه وحلمه غيورا ان يرى في قلب عبده المؤمن غير محبته فكيف بالشيخ مع ضيقه فان الشيخ إذا شم من المريد تقديم أحد عليه نفض يده منه وذلك لان الحكم لمن دخل القلب أولا ، فإذا جاء الثاني إلى باب القلب ووجد غيره قد سبقه إلى المكث فيه رد ، ولو أراد إدخال مدد إلى قلب ذلك المريد لم يقدر . والقاعدة ان المشغول لا يشغل ، لكن ان كان القلب فيه فرجة وخلوّ ما