عبد الوهاب الشعراني

5

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

من نفسه في حق محبوبه ، ويستكثر القليل من محبوبه ، يعانق طاعة محبوبه ، ويجانب مخالفته ، خارج له عن نفسه بالكلية ، لا يطلب الدية في قتله ، يصبر على الضرّاء التي تنفر منها الطباع ، قيّاما بما كلفه محبوبه ، دائم الهيام في محبوبه ، وقد وطن نفسه على محبة كل شيء يريده محبوبه ، ليس له معه نفس ، بل كله لمحبوبه ، يعاتب نفسه في حق محبوبه ، ولا يعاتب قط محبوبه ، غيور على محبوبه من نفسه ، فيود أنه لا يراه مع شهوته لرؤيته ، لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب ، ولا النقص بجفائه له ، ناس حظ نفسه ، ذاكر حظ محبوبه ، مجهول النعوت كأنه سال وليس بسال ، لا يفرق من سكره بين الوصل والهجر ، لا يقول قط لمحبوبه لم فعلت كذا ؟ أو قلت كذا ؟ سره علانية ، مسرور محزون ، مقامه الخرس ، حاله يترجم عنه لسكره من المحبة ، يختار مراضي محبوبه على جميع أغراض نفسه . قال الشيخ محيي الدين : ومن ألطف ما بلغنا عن بعض المحبين أنه دخل على شيخ فرآه يتكلم في المحبة فما زال ذلك المحب ينحل ويذوب ويسيل عرقا حتى تحلل جسمه كله على الحصير بين يدي الشيخ وصار بركة ماء ، فدخل بعض أصحاب ذلك المحب على الشيخ فقال له : أين فلان ؟ فقال الشيخ : هو ذا ! وأشار إلى ذلك الماء ووصف له القصة فتعجب الحاضرون من ذلك . قال الشيخ محيي الدين : وهو تحليل غريب واستحالة عجيبة حيث تلطفت كثافته حتى صار ماء ! ! ! لغة العاشقين واعلم أن من صفات المحبين أنهم يتكلمون بلسان المحبة ، والعشق ، والسكر ، لا بلسان العلم ، والعقل ، والتحقيق ، كما أجاب بذلك الخطاف سليمان عليه الصلاة والسلام . وذلك أن خطّافا راود خطافة في قبة سليمان عليه السلام وقال لها : لقد بلغ من حبي لك أن لو قلت لي : اهدم القبة على سليمان لفعلت . فحملت الريح كلامه إلى سليمان ، فقال له : ما حملك على ما قلت وأنت عاجز ؟ فقال : مهلا يا نبيّ اللّه ، أنا عاشق ، والعشاق إنما يتكلمون بلسان عشقهم وسكرهم ، لا بلسان العلم والعقل ، فضحك سليمان من قوله ولم يعاقبه . قلت : وفي هذه القصة عذر عظيم لأهل المحبة في أشعارهم « لسمنون وسيدي عمر الفارض وأضرابهما » فإنهم تكلموا بلسان العشق والسكر وإلا فأين تعقل قول سيدي عمر في تائيته ؟ :