عبد الوهاب الشعراني
6
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
فطوفان نوح عند نوحي كأدمعي * وإنقاد نيران الخليل كلوعتي ولولا زفيري أغرقتني أدمعي * ولولا دموعي أحرقتني زفرتي وحزني ما يعقوب بث أقله * وكل بلا أيوب بعض بليتي إلى آخر ما قال ، فاعلم ذلك وإياك والمبادرة إلى الإنكار واللّه أعلم . فاعرض يا أخي هذه الصفات التي ذكرتها لك في المحبة للشيخ على نفسك ، فإن رأيت نفسك متخلقا بها فاشكر اللّه تعالى فإنك سوف تترقى من ذلك إلى محبة اللّه عز وجل من طريق السلوك ، فإن محبة الشيوخ واحترامهم من احترام الحق تعالى ومحبته . وقد أنشد الشيخ محيي الدين في أول الباب الأحد والثمانين ومائة من الفتوحات : ما حرمة الشيخ إلا حرمة اللّه * فقم بها أدبا باللّه باللّه هم الأدلاء والقربى تؤيدهم * على الدلالة تأييدا على اللّه كالأنبياء تراهم في محاربهم * لا يسألون من اللّه سوى اللّه فإن بدا منهم حال تولّههم * عن الشريعة فاتركهم مع اللّه لا تتبعهم ولا تسلك لهم أثرا * فإنهم ذاهلون العقل في اللّه لا تقتدي بالذي زالت شريعته * عنه ولو جاء بالأنبا عن اللّه وقوله في البيت الأول : ما حرمة الشيخ إلا حرمة اللّه ، أي هي من حرمة اللّه لأمره تعالى بتوقير الشيوخ ، وليس المراد أننا نعظم الشيخ كما نعظم اللّه تعالى فافهم . وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : المريد يترقى في محبة شيخه إلى حد يصير يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع ، فمن لم يعمل إلى هذه الحالة فما أعطى الشيخ حقه من المحبة . ثم لا يخفى عليك يا أخي أن الشيوخ رضي اللّه عنهم نواب الشارع صلى اللّه عليه وسلم في إرشاد جميع الناس بل هم الورثة للرسل على الحقيقة ورثوا علوم شرائعهم غير أنهم لا يشرّعون ، فلهم حفظ الشريعة في العموم ، وما لهم التشريع ، ولهم حفظ القلوب من الميل إلى غير مرضاة اللّه ومراعاة الآداب الخاصة بأهل الحضرة الإلهية وهم من العلماء باللّه بمنزلة الطبيب في العالم ، فإن الطبيب لا يعرف الطبيعة إلا أنما هي مدبرة للبدن الإنساني خاصة ، بخلاف العالم بعلم الطبيعة فإنه يعلمها مطلقا وإن لم يكن طبيبا ، وقد يجمع الشيخ الأمرين . وسمعت سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : العلماء بوابون حضرات الأسماء والصفات ، وأصحاب الموهب الإلهي بوابون حضرة الذات .