عبد الوهاب الشعراني

4

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

أياما لا أشبع طعاما ، وكانوا كلما قدموا إليّ المائدة ، تقف المحبة على حرفها ، وينظر إليّ ويقول لي بلسان أسمعه بأذني : تأكل وأنت تشاهدني ! فأمتنع من الطعام ، ولا أجد جوعا ، وأمتلىء من الحب ، حتى سمنت وعبّلت من نظري إليه ، فقام لي ذلك مقام الغذاء ، أذوق ذواقا ولا أجد جوعا ولا عطشا ، وكان الحب لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني . لطائف الحب وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : من ألطف سكرات الحب الشغل بالحب عن متعلقه ، كما حكي أن ليلى جاءت إلى مجنونها ، وهو يصيح : ليلى ، ليلى ، ويأخذ الجليد فيلقيه على فؤاده ، فيذوب من حرارة فؤاده ، فسلمت ليلى عليه وهو في ذلك الحال ، وقالت له : أنا محبوبك ، أنا مطلوبك ، أنا قرة عينك ، أنا ليلى ، فقال : إليك عني ، فإن حبك شغلني عنك . وسمعت سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : ألطف ما في الحب ما وجدته في نفسك من العشق المفرط ، والشوق المقلق ، حتى منعك ذلك النوم ولذة الطعام ولا يدرى ذلك الحب فيمن ، ولا يتعين لك محبوب ، فإن من ذلك تترقى إلى محبة اللّه عز وجل المطلقة . قالوا : ومن أصعب ما في الحب أن يصير المريد يحب الهجر ، ويتلذذ به إذا علم أن شيخه أحب هجره ، لأن تخليص حظ النفس من حظ الشيخ عسر جدا ، وحاصله أن المريد يحب الهجر من حيث كونه محبوبا لشيخه لا من حيثية أخرى ، لأن الحب للشيخ عمدته الوصل لا الهجر . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : حقيقة حب الشيخ أن يحبّ الأشياء من أجله ، ويكرهها من أجله ، كما هو الشأن في محبة ربنا عز وجل ، ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث « أن عبدا يأتي يوم القيامة بكثير صلاة ، وصيام ، وحج ، وصدقة ، وتشهد له الملائكة بذلك ، فيقول اللّه عز وجل : انظروا هل والى لي وليا ، أو عادى لي عدوا ؟ » صفات المحبين وذكر الشيخ محيي الدين في الباب الثامن والسبعين بعد المائة من الفتوحات ، أن جملة أوصاف المحبين أن يكون أحدهم مقتولا تالفا في محبوبه سائرا إلى حضرته على الدوام ، دائم السهر كامن الغم ، راغبا في الخروج من كل شيء يشغله عنه من شهوات الدنيا والآخرة ، فهو متبرم من صحبة كل شيء يحجبه عن محبوبه ، كثير التأوه يستريح إلى كلام محبوبه وذكر اسمه ، دائم الموافقة لمحاب محبوبه ، خائف من ترك الحرمة في إقامة خدمته ، يستقل الكثير