عبد الوهاب الشعراني

26

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

إذا صحبت الملوك فالبس * من التوقي أجلّ ملبس وادخل إذا دخلت أعمى * واخرج إذا خرجت أخرس وقد كان أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه إذا طلب أحد منه الصحبة يقول له : اذهب فاخدم الملوك ، ثم تعال بعد ذلك نصحبك . من شأن المريد أن لا يقول لشيخه لم ؟ ! ومن شأنه أن لا يقول لشيخه قط لم ، فقد أجمع الأشياخ على أن كل مريد قال لشيخه لم ، لا يفلح في الطريق . وكان الشيخ عبد الرحمن الجيلي رضي اللّه عنه يقول : ربما منع المريد من الزيادة في المقامات لأجل قوله لشيخه لم ؟ فإنه ذنب عند أهل الطريق ولا يشعر به غيرهم ، فإن الطريق كلها أدب وتأديب ، فمن تأدب مع حضرة شيخه ، تأدب مع حضرة اللّه تعالى ، ومن أساء الأدب مع حضرة شيخه ، أساء الأدب مع حصره اللّه تعالى ، ولا يكمل شيخ في مقام التربية حتى يناقش المريد في الأدب معه أو مع اللّه تعالى مناقشة الجليس جليسه ، والصاحب صاحبه ، لأن الأشياخ بوّابو حضرات الحق تعالى ، فهم يعلمون كل من أراد دخول حضرة من الحضرات آداب تلك الحضرة رضي اللّه عنهم أجمعين ، فما نفرت نفسه من مناقشة شيخه إلا من أشقاه اللّه تعالى . وكان يقول : لا تجالسوا الشيخ إلا بالأدب ، فقد أساء قوم الأدب مع الشيخ فمقتوا ومحي اسمهم من ديوان أهل الإرادة . وكان يقول : كل أديب لا يؤدبه الصوفية فليس بأديب . وكان كثيرا ما يقول : عليك بمناقشة نفسك ، والصبر على مناقشة شيخك لك ، فإنه ما يناقشك إلا في إزالة ما يمنعك من المواهب . ويحجبك عن شهود ما فيك من العجائب ، فإنه ما ورد عليك وارد ولا ظهر إلا وهو منك ، ولا جلي عليك أمر إلا وأصله منك ، مثال ذلك : النواة إذا زرعت فكل شيء ورد عليها من ورقها وثمرها كان فيها مودعا بالقوة ، كذلك أنت أيها المريد لا يرد عليك شيء خارج عنك ، بل كل وارد عليك كان فيك غيبا ، ثم إنه ظهر لك شهادة لتعرف مقدار ما أنعم اللّه تعالى به عليك من الطاعات فتشكره ، وما فيك من النقائص فتستغفره ، ووراء ما أشرنا إليه رموز ولغوز ، في ضمنها كنوز ، يا سعد من لها يجوز . وكان يقول : كل مريد رأى نفسه معرضة عن مواددة الشيخ وإخوانه ، فليعلم أنه قد شرع في الأخذ في طرده عن باب اللّه عز وجل .